معرض للصحفية هند أوفريحة برواق "الزوار": "الهربة وين" .. السير على خطى "حراق" افتراضي

تقتحم الصحفية هند أوفريحة عالم الصورة الفوتوغرافية لتختصر ما قد تقوله الكلمات في جمل طويلة، في موضوع "الحرقة" أو ما عنونت به معرضها (من 18 فيفري 9 مارس 2017) برواق الزوار بالعاصمة "الهربة وين". وحاولت عبر 30 صورة أن تعيد تشكيل مسار مسافر متعب كتم رحلته إلى ما قد يتخيله أفضل. و عادت إلى العاصمة محملة برمل الصحراء مسرح الفكرة ومعها قطعة جواز سفر ممزق كان المحرض لتجربتها التي تنسج فيها حكاية إفريقيا و البترول و الأرض الموعودة و قصص أخرى مخبأة في الأضرحة و تحت القبب..

حاورتها: نبيلة سنجاق

تقدمين للجمهور أكثر من 30 صورة فوتوغرافية  تروي حالة ما في صحراء الجزائر و اخترت لها عنوان استفهامي "الهربة وين"؟

كلما زرت صحراء الجزائر تتكرر في ذهني عبارة "الهربة وين"، و استعيد المقولة  الفرنسية القائلة "الأصعب في الصحراء هو العثور على مخرج". و لأن الصحراء هي فضاء مفتوح فالشعور بالفراغ يتضاعف بداخلنا بشكل رهيب، ربما لأننا وجه لوجه أمام أنفسنا.

فكرة هذا المعرض ولدت في صحراء البيض، التي مشيت بها وحيدة استكشف الفراغ وما يمكن أن توفره لي من راحة و متعة..  لم أكن أبحث عن شيء معين، لكني عندما لمحت جواز سفر ممزق على الرمل، صدمت لدرجة البكاء.. ساورني شعور بالدهشة و بقيت مطولا أتمعن فيه. و قررت أن ألتقط للجواز صورا وطبعا أخذته معي بعدما أحدث بداخلي تحولا عميقا و كان الدافع الأساسي لإنجاز معرض صور تتحدث عن فكرة "الهربة".

كيف نسجت العلاقة بين تلك القطعة الإدارية الممزقة و بين تركيبك لهذا المعرض الذي يبدو استثنائيا هنا بالعاصمة؟

قلت في نفسي أن هذا الجواز لا يمكن إلا أن يكون لأحد "الحراقة" الذين قرروا قطع الحدود سرا.. استرجعت خيوط الفكرة و رحت أبحث عن ما يمكن أن يكون ذلك المهاجر السري قد خلف وراءه في تلك الصحراء. و الأسطورة تقول غالبا ما يتخلص المهاجرين غير الشرعيين من وثائق السفر..و فجأة وجدت نفسي أمام حالة حقيقية و ليس مجرد تخمين. في طريق البحث عن "بقاياه" عثرت على حذاء رياضي أنهكه السير ممزق هو الآخر فبدأت تتشكل أمامي رموز مادية وكأنها أدلة على تلك القصة التي تحاك حول المهاجر السري.. كما وجدت قوارير فارغة و شظايا زجاجية وكأنها  إشارات تقول أن إنسان مر من هنا.

ماذا كان مصير جواز السفر الممزق؟

قررت أن أتدخل في مصير هذه الوثيقة التي تحمل الكثير من المعاني، و حملتها معي في جيبي وعدت بها إلى العاصمة. كان ذلك أشبه بتذكرة عودة للكثير من المهاجرين الذين تحاول السلطات في كل مرة إرجاعهم إلى الصحراء في الحافلات. تذكرت مشاهد ترحيل اللاجئين الأفارقة السنة الماضية و كيف أخذوا عنوة وتركوا على الحدود ومنعهم من العودة و من فرصة ثانية. اعتقد أنه لو تكلمت الصحراء لا صرخت بصوت عالي عن كل الآلام التي تكبدها الإنسان في قلبها. أنا قررت أن أمنح لهذا الجواز فرصة ثانية أن أنزع عنه اللعنة التي لاحقت صاحبه أن أمنحه القدرة على الحياة على أمل تتغير الأشياء إلى الأفضل.. فهذا الجواز كان جزء مني لم يكن ممكنا أن أتركه خلفي و أعود أدراجي.

لجأت في تركيب الصور إلى تقريب بعضها ببعض وكأن كل صورة تكمل الأخرى؟

مبدأ هذا المعرض هو أن استقراء الصور في شكلها العام. فأنا منذ البدء لم أنوي تقديم بطاقة بريدية عن الصحراء. ما أردته هو أن تكون هذه الصور أشبه بجسد نص واحد يروي حالة معينة 

من المهم بالنسبة لي أن أنظر إلى هذه التشكيلة من الصورة كمشهد سينمائي واحد لأروي الحالة الإنسانية التي يوجد فيها الجزائري و الشعور بالرفض حيال الآخر وحيال ذاته أيضا. و وجدت كل تلك البقايا من قفزات و أحذية و حقائب سفر و فضلات منزلية و أيضا جواز السفر بمثابة  حالة رفض قصوى يعيشها هذا الفرد.

شخصيا يمكنني أن استقرأ أيضا من صورك  صرخة الصحراء التي فقدت توازنها الإيكولوجي بسبب الإنسان أيضا؟

نعم هي صرخة و التلوث البيئي هو واقع ظاهر للعيان و ربما هو جزء من الصور التي أقدمها اليوم، لكني لم أخض في إشكالية التلوث من هذا المنظور، لأنه سيقودني إلى تفاصيل أخرى بعيدا عن فكرتي الرئيسية  موضوعي هو الإنسان الجزائري الذي يقوم دون أن يشعر بتحطيم ذاته.

ما علاقة الأضرحة ب "الهربة وين"؟

عندما زرت ورقلة اكتشفت أنها أرض تولي أهمية كبيرة للجانب الروحي،  وبالتالي فهي تضم عديد الأضرحة.  لاحظت بخيبة كبيرة أيضا أن هذه المواقع القديمة سواء كانت قصور أو مساجد أو مدارس قرآنية أو أضرحة لا  تحظى باهتمام الحكومة إلا بعد انهيار جزء كبير منها و  يتم ترميمها في استعجال دون تفكير جدي في الإنسان. أما عن علاقتها ب "الهربة وين"، فرأيت في تلك الأماكن فرصة لذلك الانسان ليجد لنفسه ملجأ يحتمي إليه. أن يعثر على بعض الأمان في أي مكان يتوصل إليه، و الأضرحة هي واحدة من الأماكن التي يأوي إليها الأفراد ليعيشوا بعيدا عن المتفق عليه.. فهي خيار من بين الخيارات التي يجدها الفرد في بحثه عن المخرج عن الهربة.. اللجوء إلى الله كحل بديل فيما يلجأ الآخر إلى استهلاك المخدرات و الكحوليات ..

رغم أن صورك تتحدث عن الإنسان إلا أننا لا نراه مشخصا كثيرا ماعدا في اثنين من أعمالك؟

صحيح لم أشخص الإنسان في صوري، لم أشأ أن تكون الأوجه حاضرة حتى أترك الفكرة مطلقة في مجملها، لأنها تتعلق بحالة عامة تعيشها الإنسانية  بما فيها الجزائري.

هناك صورتان وحيدتان في كل المجموعة يظهر فيها الرجل واحد منهم ملثم والآخر وجدته في حاسي مسعود يسير مطأطأ الرأس على حافة جدار.. قلت في نفسي ربما يكون واحد منهما من ترك حذائه غارقا في رمل الصحراء البعيدة.

إضافة إلى ما التقطته عدستك، تعرضين بقايا أشياء عادت معك أيضا كقفزات عامل بحاسي مسعود و شظايا حديدية و رمل و بلاستيك و غطاء من مادة تقي المهاجر من البرد و غيرها؟

هذه الأشياء التي جمعتها و رجعت بها إلى العاصمة هي بالنسبة لي الدليل على تلك التجربة التي خضتها في صحراء الجزائر بعيدا عن الصور النمطية. وهي أيضا حاضرة في المعرض لتبرهن كم هو جرح إفريقيا عميق، بالنظر إلى المعاناة التي يتكبدها أبناؤها و هي القارة الغنية بالثروات الطبيعية. في هذا التركيب التشكيلي إن صح التعبير أردت أن أترجم ما قرأته في كتاب قرأته لهنري باري بعنوان "البترول يغتال إفريقيا"، اليوم البترول يحقق رفاه الغرب و يزيد من تعاسة و فقر سكان القارة السمراء، وبدورنا كجزائريين ندفع ثمن أزمة  البترول. وترجمت هذا الموقف الدرامي في رأيي في لوحة خلفيتها ذهبية تتوسطها إفريقيا السوداء بكيس بلاستيكي و قلبها من معدن تآكل عليه الصدأ.