على خطاهم نسير- شخصيات خالدة.

بقلم: ســــامي بن كرمي

من بوشكارة إلى بوشكارة

عينان سوداوان، تعكس سواد السريرة والضمير، فيها نار ورعب، تحدق من أحد إلى آخر، كأن صاحبها أبكم لا يشير إلا بأصابعه، كيف لا وإن نطق لعُرِف وإن عُرِف لذُبِح. كرَّس نفسه ضد أهله في خدمة الظلم والاحتلال، مهمته الوشاية بالأحرار. تقمص على وجهه من قماش غليظ أو ورق متين، وذلك تعريف الشكارة في اللغة العربية الفصحى.

بوشكارة ذاك باع وطنه ومواطنيه من أجل حفنة من متاع زائل، قناعة منه بأن الغلبة للمحتل، لم يساوره أدنى شك بأن العاقبة ستدور عليه وأنه بعد أن استعلى سيُعْلى عليه، وهذا ما حدث فعلا، جرَّ المستعمر أذيال الخيبة بعد قناعته باستحالة تركيع شعب يطلب الحرية والكرامة، مستعدٌ للتضحية بأغلى ما يملك في سبيل ذلك، برغم أنوف بوشكارة. دارت الدائرة ودُحِرَ المحتل، وصدر قرار بالتخلي عن جموع من خدمه. توسلوا، ركعوا، بكوا، ولكن هيهات، ما كان لمن خان وطنه أن يُنْظَرَ إليه. من نجى منهم وراء البحار، ذاق ذلا ما بعده من ذل، ومن بقي منهم في الديار، فكان الانتقام مصيره، وقلة منهم من نجى.

بوشكارة ترمز في الجزائر إلى كل فاسد مفسد، تخلى عن ضميره خدمة لهواه، أشكاله عديدة، منهم من عمل في الخفاء ومنهم من تبجح بنفسه.

لا يظن أحدنا أن اللعبة سهلة وبسيطة. في شبابي، سمعت كثيرا من العارفين عن ذيول المستعمر وظننت حينها سذاجة مني أنها أساطير تمت حياكتها من خيال، إلا أن الواقع أثبت أنني أنا من كنت أسبح في الخيال. بوشكارة يتبعه بوشكارة، وجيل يتبعه جيل، ميراثهم بينهم الذل والخيانة على حساب الوطن.

ذهب زمن وأتى زمن وجيل الفاسدين المفسدين يتكاثرون ويتساندون، أما المصلحين فمصيرهم التهميش والعزلة. عدوى الفساد أصابت الكثير، فأصبحت تسمى الآفات بغير مسمياتها، فمن شريكي إلى تشيبا إلى القهوة إلى الإكرامية، مصطلحات يعرفها الكل ويتجاهلها الكل. نحن مجتمع نظيف، نصوم ونصلي، وما صفوف الجماعة المكتظة إلا شاهد على ذلك، جمعت الناس من كل الأطياف، متضرعين خاشعين، أو نحسبهم كذلك، كل يدعو الله المغفرة والرحمة، ولكن كثير منهم لا يبالي، انفصام رهيب، يدفعون ويقبضون أكياسا سمينة تضيق بدراهم عديدة، وتلك هي الشكارة، من شأنها أن تفتح الأبواب والقوائم، يزاح بها أناس ويقدم بها آخرون، على مرأى ومسمع الكل، لا حياء ولا خجل ولا حتى طرفة عين. الشعب المسكين لا حيلة له ولا قوة، ما عليه إلا أن يقبل بمتسلطيه ويجب عليه أن يشارك في المسرحية. ألم يقل قائل أن ذلك واجب مقدس، وأن الأرزاق ستقطع على من لم يقم بواجبه المقدس.

لبوشكارة اليوم عبرة في بوشكارة الأمس. من الاستحالة أن يدوم الظلم والفساد. هذه أمة أطاحت بشر خلق الله، لم تغن عنهم لا عدتهم ولا عددهم، ثلة من المخلصين الصادقين لم يتوكلوا إلا على الله سائلين إياه الثبات والنصر، دلت كل الشواهد حينذاك على أن الاحتلال قوة لا تقهر ويستحيل لأي من كان أن يثور عليه، إلا أن هؤلاء الأبطال أثبتوا عكس ذلك، ولنا فيهم عبرة.

خدمة الحق من شيم الرجال لا يحيدون عن طريقه وإن ضحوا بأنفسهم، بغض النظر عن أسمائهم وأعراقهم وألوانهم. واحد من الأبطال الذين خدموا القضية الجزائرية ضد الاحتلال، اسمه غير الأسامي وجلده غير عن إخوته ولكن لم يمنعه ذلك من الوقوف مع الحق، وياليت لبوشكارة فيه عبرة، فيتعلموا معنى الإخلاص والوطنية.

شخصيتنا لهذا الأسبوع هو موريس أودان (Maurice Audin).

الأسبوع الثامن والعشرون

ولد موريس أودان بتاريخ 14 فبراير 1932 في مدينة باجة التونسية من أبوين فرنسين. أمه من عائلة مزارعين ترعرعت في سهول المتيدجة بنما كان أبوه ضابطا في سلك الجندرمة. رحلت أسرته إلى مدينة القليعة أواخر 1940. التحق موريس أودان بمدرسة النشأ العسكرية بمدينة حمام ريغة سنة 1943. إلا أنه آثر الالتحاق بثانوية غوتييه بالعاصمة لمتابعة دراساته المدنية اختصاص الرياضيات. تحصل على الليسانس من جامعة الجزائر سنة 1953، وبدأ سنة بعدها في العمل لإعداد أطروحة دكتوراة في الرياضيات.

انخرط موريس أودان في العمل السياسي سنة 1951 وكان ذلك في صفوف الحزب الشيوعي الجزائري كما كان له تواصل حثيث مع الاتحاد العام للطلبة الجزائريين المسلمين.

كان لموريس أودان وزوجته جوزات مواقف ثابتة تجاه الاحتلال الفرنسي للجزائر فتوافقت رؤاهم مع مطالبات الحزب الشيوعي الجزائري باستقلال الجزائر مما أدى ذلك إلى حضر الحزب بتاريخ 13 سبتمبر 1955 فدفعه إلى العمل في الخفاء وتنسيق جهود مناضليه مع حزب جبهة التحرير الوطني. نشط في توزيع منشورات الحزب والعمليات اللوجستية لصالح الفارين من سلطات الاحتلال.

من بين الأنشطة التي قام بها موريس أودان بمساعدة أخته وزوجها هي تهريب العربي بوهالي السكرتير الأول للحزب الشيوعي الجزائري خارج الجزائر في سبتمبر 1956.

بتاريخ 3 جوان 1957 وقع تفجير كازينو الكورنيش والذي أوقع 8 قتلى و92 جريح. اعتقل الدكتور جورج حجاج والذي كان أيضا عضوا في الحزب الشيوعي الجزائري، وكان الاحتلال يتعقب ويوقف أعضاء الحزب حينها. اعترف الدكتور حجاج بمداواة عضو الحزب الفعال بول كاباليرو في منزل موريس أودان. وأدى ذلك إلى اعتقال هذا الأخير من قوات الجنرال ماسو بتاريخ 11 جوان 1957، وبقى رهن الاعتقال إلى أن غابت آثاره إلى يومنا هذا. وقد ادعى الاحتلال بأنه فر من مقر حبسه.

قبل اعتقاله، شارف موريس أودان على الانتهاء من أطروحة الدكتوراة، فكانت بحوثاته ودراساته جاهزة، مما دفع بجامعة السوربون إلى تنظيم عرض أطروحته غيابيا بتاريخ 2 ديسمبر 1957 وتولى عرضها زميله روني دو بوسيل. فتحصل موريس أودان غيابيا على شهادة الدكتوراة مع درجة الشرف العليا.

لم يتم العثور على جثة موريس أودان منذ ذاك، فصدرت شهادة وفاته من المحكمة العليا بالجزائر بتاريخ 1 جوان 1963 وسجل فيها تاريخ وفاته 21 جوان 1957.

أصبحت قضية اختفاء موريس أودان قضية رأي عام في الجزائر وفرنسا، وناضلت زوجته جوزيت أودان من أجل إظهار الحقيقة، كما صدرت في الموضوع العشرات من الكتب والتقارير والمطبوعات كلها تطالب برد الاعتبار إلى موريس أودان وإظهار الحقيقة وتحديد مكان جثته.

بتاريخ 8 جانفي 2014، بث في القناة الثالثة الفرنسية تصريح سابق للجنرال أوساريس قاتل العربي بن مهيدي بأنه هو من أعطى الأمر بتصفية موريس أودان، إلا أنه وبعد الرجوع إلى اتفاقيات إيفيان، فيتضح استحالة مقاضاة كل من ساهم مباشرة أو غير مباشرة في عمليات التقتيل والتعذيب.

استهداف موريس أودان كان للعبرة ولثني رفقائه من مناضلي الحزب الشيوعي الجزائري عن الانخراط في الأنشطة المعادية للاحتلال، فكان كبش فداء أراد من خلاله الجنرال ماسو والجنرال أوساريس -بتغطية سياسية- ثني كل من تسول له نفسه الاطلاع إلى الحرية ورد الظلم ونصرة المظلومين.

الوطنية والإخلاص لا دين ولا عرق لهما، كما هي أيضا الخيانة وبيع الضمائر. أثبت أسلافنا بتعدداتهم حبهم للوطن واستعدادهم للتضحية من أجله وما موريس أودان إلا واحد من هؤلاء الأبطال الذين آمنوا بالقضية ونصرة المظلومين. خلف من بعدهم خلف -إلا من رحم ربي- أضاعوا الأمانة وياليتهم ما كانوا.

رحم الله شهداء الوطن وجازى عنا خيرا كل من وقف مع الجزائر وأهلها في سبيل الحق والحرية.

والله من وراء القصد.