على خطاهم نسير- شخصيات خالدة.

بقلم ســــامي بن كرمي

فرعون العرب والحرايمية الأربعين.

هي لوحة فنية، رسمها صاحبها مُخَلِّدٌ لموقف يتذكره التاريخ. مكوناتها ثلاث، الظالم والمظلوم وبينهما أدوات ووسائل. "ضد الظلم والجور في بلاد الصحراء" كلمات خُطَّت على اللوحة ودلائلها كبيرة.

الظالم طبعا اندحر وهكذا مصير كل ظالم، المحاولات عديدة لبعث الروح فيه، هي من ضمن إرادة خفية، الهدف منها إيهام الناس بعذرية الظالم وأسياده. عذرية يسعى إليها كل من تحوم حوله الشكوك، ومن نخالهم أعداء الأمس أصبحوا يتزاورون ويتسامرون. اندحر الظالم ومات وترك وراءه ذرية وسلالة، لا يكاد يذكر اسمها إلا اشمأزت أنفس الأحرار وعافتها. إلا أن الأحرار في أروقة الساسة أصبحوا قليل، نادرا ما يُرَوْن.

قد اختلف معك في الرأي، قد تكون لي وجهة نظر معاكسة تماما لما تراه، من الاختيار أن أقرر عدم الاختيار، فهل هذا يعطيك الحق بنعتي من ضمن "الحرايمية" وأن تشكك في وطنيتي؟

عديم الوطنية والحرايمي هو كل من فتح أبواب القنوات الرسمية في الوطن لسلالة الظالم بغية تزييف التاريخ فتم إيواؤه والترحيب به على مرأى الملايين من أبناء هذا الوطن، وكلهم شهود على الخيانة.

عديم الوطنية والحرايميهو كل من استقبل من يروج لسيرة منقحة لأجداده يمحي فيها ظلمهم وبقدرة قادر تتحول المظالم إلى شمائل ويزور التاريخ "عيني عينك" على مرئى ومسمع من اكتوى بضير هؤلاء.

عديم الوطنية والحرايمي هو كل من وضع كفه في كف من يريد أن يُغَيِّب الصادقين ويُمَجِّدَ الخائنين وهو من يُفّتَرَضُ أن يكون خير خلف لخير سلف، حمل الراية وليته ما حمل. أليس بإعادة تأهيل الخائنين هو يسعى كذلك لإعادة تأهيل نفسه.

يشهد الله أن النفس تتألم كثيرا وهي ترى مقاليد البلاد في أيدي هؤلاء، أوليس فيكم رجل رشيد؟

مسرحية وضيعة بفصول متعددة ومتشابكة تُكَمِّلُ بعضها البعض، كل أعضاء الفرقة من منبع واحدة، آثرت النفس على الوطن، لا هَمَّ لها إلا مصلحتها، وليذهب الجميع إلى الجحيم، ولتذهب البلاد إلى غير رجعة، ولتذهب الوطنية إلى حيث لا تعود. تَبّا لكم وخسئتم وفي مزبلة التاريخ سقطتم. من اقتصاد إلى صناعة إلى فلاحة إلى مدرسة إلى شارع إلى ثقافة، كلها فصول هذه المسرحية، يتفنن الفنانون في جرها إلى أسفل ما يكون، ففي الرداءة هم وفي الرداءة سيبقون.

لايظن أحدنا أن الأوضاع قاتمة إلى غير رجعة، فما يتسع الأمرإلا من بعد أن يضيق، والشاهد على ذلك الهَبَّة التي رافقت محاولة تزوير التاريخ. ثار لها الشارع وكان لها بالمرصاد، ومرة أخرى أُسّقِطَتِ الأقنعة عن أصحابها، وتبين الصالح من الطالح. فأدرك الناس طينة كل خائن وما حاك في صدور هؤلاء. قلتها مرارا وتكرارا، من الإمكان أن تخفت الجذوة ولكن من المستحيل أن تنطفأ ما دام لدى هذا الشعب المسكين عرق ينبض.

مكونات اللوحة ثلاث، الظالم والمظلوم وبينهما أدوات ووسائل.فارس وكلمة فارس كبيرة عليه، هو رمز الظلم خدم سيده وأسياده، على ظهر فرس يجر من ورائه رجلا مكبل اليدين وهو المظلوم وما الدابة التي يركبها والحبل الذي يجر به إلا أدوات الظلم.

اللوحة هي طابع بريدي صدر سنة 1936 في فرنسا، أصدرته منظمة Secours populaire (النجدة الشعبية) اعتراضا منها على الظلم الذي جَسَّدَهُالفارس وهو خَدَمٌ من خُدَّام الظالم الباش آغا بن غانة بو عزيز الخائن من منطقة الزيبانوالشهير بمعاداته لأي جزائري حر يثور ضد المحتل، فحارب مواطنيه وترصد بهم ووصل به الأمر بقطع آذان الثوار وإرسالها إلى أسياده المحتلين طمعا منه في دراهم معدودة مقابل ذلك. وتروي كتب التاريخ بأنه جمع أكثر من 900 أذن تم تحويلها كشاهد على خدمته وذله.

المظلوم رمز من رموز الوطن، كَرَّسَ حياته من أجل الجزائر وقاسى من ويلات الظلم ما قاسى، هو من سمى ظالمه بفرعون العرب في مسرحية أعدها وقدمها لمواطنيه، كلفه ذلك ويلات لا تحصى لعل أدناها أن تم جره ماشيا ومكبل اليدين على مسافة 130 كلم من مدينة بسكرة إلى مدينة أولاد جلال سنة 1936.

شخصيتنا لهذا الأسبوع هو المظلوم في اللوحة، هو ضحية فرعون العرب وهو ضحية الحرايمية الأربعون، هو شباح المكي.

 

الأسبوع التاسع والعشرون:

ولد شباح المكي سنة 1894 في بلدة سيدي عقبة بولاية بسكرة في كنف عائلة امتهنت الزراعة. تمتد جذور عائلته إلى منطقة الأوراس الأشم، في مشتة أكباش دوار تاجموت.

تعلم مبادئ القرائة وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم في كتاتيب بلدته سيدي عقبة.

سنة 1924 هاجر إلى فرنسا وابتدأت اهتماماته السياسية في النضوج. اتصل بمصالي الحاج وانخرط في حزب نجم شمال إفريقيا سنة 1926 ونشط سريا في كنفه. احتضن الحزب الشيوعي الفرنسي أنشطة حزب نجم شمال إفريقيا ووفر لأعضائه المكان لتنظيم صفوفه، فكانت أول تجربة حركية خاضها شباح المكي فتعلم منها العمل الجماعي فنضج فكره السياسي. عاد سنة 1929 إلى بلدته وفتح فيها مقهى ثقافي، فحمل معه أفكاره السياسية وبدأ في تطبيقها على أرض الواقع، فتيسر له تأسيس جمعية تمثيلية في المسرح وأخرى رياضية تحت مسمى "الشباب العقبي". تكاتف شباح المكي مع رفيق دربه المرحوم أحمد رضا حوحو في بعث الأنشطة الثقافية في بلدتهم، فكثفوا من أنشطتهم وكان المقهى الثقافي مقر لها، فبدأوا بتنظيم عروض مسرحية للجمهور الغرض منها بعث الروح الوطنية في الشباب ومقارعة الاستدمار وأذنابه بطريقة ذكية وفعالة.

خلال سنة 1936 زار العلامة عبد الحميد بن باديس مدينة سيدي عقبة صحبة وفد من جمعية العلماء المسلمين، وبعد معارضة المدعو شيخ العرب بن ڤانة على ذلك، نظم شباح المكي رفقة زملائه اللقاء والدرس في حديقة بيت الشيخ الطيب العقبي، فتم ذلك بنجاح، ولكن تفتحت أعين الاحتلال ومسانديه على أنشطة المكي، فبدأت تراقبه من قريب.

بتاريخ 2 أوت 1936، تم اغتيال مفتي الجزائر بن دالي عمر الملقب بكحول في العاصمة، وكان هذا الأخير مواليا للاحتلال يعمل لإقصاء جمعية العلماء المسلمين وتهميشها خوفا من الدور السياسي والإصلاحي التي كانت تقوم به مما لم يخدم البتة مصالح فرنسا وأذنابها. اعترف قاتله المدعو عكاشة بأنه قام بعملية الاغتيال بناء على طلب أعضاء الجمعية الشيخ الطيب العقبي وعباس التركي، فزج الاحتلال بهما في السجن وكانت محاولة منه للنيل منه ومن رفقائه في الجمعية، إلا أنه ما لبث أن برء القضاء المتهمين من هذه التهمة وأخلي سبيلهما. أقام حينها شباح المكي حفلا في مقهى بلدته ابتهاجا بهذا الخبر السعيد، حضره وفد من جمعية العلماء المسلمين من مدينة بسكرة، فألقيت فيه الخطب الحماسية ونثرت فيها الأشعار، إلا أن ذلك لم يرق للاستدمار وأذنابه. استُدْعِيَشباح المكي لمكتب الخائن بن غانة واتُّهِمَ فيه بالتهجم على فرنسا وبتحريض الناس على الانتفاضة ضد الاحتلال. نفى شباح المكي هذه التهم، إلا أن ذلك لم يشفع له مع زبانية الاحتلال. في أمسية ذلك اليوم، جُهِّزَ فرس مع وثاق ربط به شباح المكي، وأُمِرَ الفارس أنه إذا رفض السجين السير، فعليه أن يهمز الجواد كي يسرع في سيره وهذا سيرغم السجين على التحرك، فإما ذاك أو سيموت في الطريق. كلما مر الفارس بجمع من الناس قال لهم هذا مصير من يعادي الباش آغا بن ڤانةوفرنسا. جُرَّشباح المكي على مسافة 130 كلم مشيا وهو موثوق الأيدي، في الطريق مر السجان والمسجون على مكتب الباش آغا بن غانة في مدينة طولغة. قال له أحد أعوان الخائن: "لو لم تدخل يدك الغار لما لدغت"، فأجابهالمكي:"يكون الرجل أحيانا راقدا وتلدغه عقرب، وقد سجن سيدنا يوسف ظلما وعدوانا فما بالك أنا".

واصل الاثنان المسير إلى بلدة أولاد جلال وقد استبدل الحبل الذي في يدي المكي بقيد من حديد، فعانى في الطريق ما عنى، جوعا وعطشا وإرهاقا، فانتفخت قدماه وتورمت، وبعد معاينته من طبيب محلي، أوصى بمنحه عجزا لمدة 15 يوما بسبب إصاباته. لم يشفع له ذلك، بل ألقي في زنزانة ضيقة لا فراش فيها ولا غطاء، طعامه أحد عشر تمرة يوميا وزجاجة من ماء لا غيرهما.

مباشرة بعد اعتقاله، أمرت سلطات الاحتلال بغلق المقهى الأدبي لشباح المكي ومصادرة محتوياته وتجميد كافة أنشطة الأندية التي أسسها. تدخلت جمعية العلماء المسلمين والحزب الشيوعي الجزائري والقوى اليسارية في فرنسا دفاعا عن شباح المكي والظلم الذي حل به، أصبحت قضية المكي قضية رأي عام في الجزائر وفرنسا، فتخوف حاكم أولاد جلال العسكري من الأثار السلبية التي قد تترتب عن إبقاء المكي في غياهب السجن، فأطلق سراحه بعد شهر من ذلك ولم توجه له أي تهمة رسمية.

بعد عودته إلى بلدته قال شباح المكي في شأن المحنة التي عاشها: "إن السجن في سبيل الوطن هو شرف وفرض على كل واحد منا، وإن أغلبية الزعماء سُجنوا ومنهم من مات شهيدا في سبيل التحرر، ونحن مازلنا في بداية الطريق لتكوين نهضة كسائر البلدان والشعوب الثائرة من أجل حقها في الحياة، تلك الطريق التي لا أحتم عليكم اتباعها، أما ما يخصني فقد آليت على نفسي مواصلة هذا الكفاح ومقاومة هذا الطاغية بن ڤانة".

بعد أن انقطعت على شباح المكي سبل الرزق في بلدته، قرر الترحال إلى العاصمة مع أهله، فاضطر لبيع بندقيته لتغطية مصاريف سفره. زار الشيخ العقبي وحكى له ما عاناه من جور بن ڤانة، فدله على محامي يدعى ديرلاد ليرد إليه مظلمته ويقتص من بن ڤانة وما عاناه بسببه.

تواصل أيضا شباح المكي مع الحزب الشيوعي الجزائري، فدلوه إلى منظمة المساعدة الشعبية حيث أصدرت له الجمعية طابعا بريديا خلد الموقف الذي عاشه شباح المكي خلال اعتقاله وهول ما عاناه في طريقه إلى السجن. وزع الطابع بواسطة الأحزاب الشيوعية في العالم بينما كان استعماله ممنوعا في فرنسا، إذ كانت تغرم كل من يملكه بمبلغ خمسة مائة فرنك فرنسي.

انخرط شباح المكي في الحزب الشيوعي الجزائري وانفصل تمام عن الحركة المصالية لما رآه لديها من حيد عن مسارها الأول ومبادئها التأسيسية. كما أسس جمعية "الكوكب التمثيلي الجزائري" في العاصمة سنة 1937.

لم يكن شباح المكي لينسى هول ما عاناه بسبب الخائن بن ڤانة، فألف مسرحية بعنوان "فرعون العرب عند الترك" وكانت صورة بن ڤانةفي المنشور الدعائي للمسرحية وقد اعتلى مقصلة المشنقة، فغاضه ذلك كثيرا وتدخل بكل قوة لدى سلطات الاحتلال لمنع عرضها في مدينة بسكرة. إلا أن ذكاء المكي حال دون ذلك، فبعد مراوغات وتكتيكات، تمكنت الفرقة من عرض المسرحية في قاعة مغلقة عجت بالحضور، وقال عن ذلك المكي في مذكراته: "وجدنا عند رفع الستار قاعة تكتظ بالمدعوين، ومثلنا الرواية كما أردنا دون منازع، وألقيت في الختام كلمة عن دور التمثيل الحقيقي في حياة الشعوب، وأعلمنا الحاضرين بمحاولات التهديد والوعد الوعيد التي اتخذتها شرطة بن ڤانة لمنعنا من تمثيل هذه الرواية، وها هي تهديداتهم تذهب أدراج الرياح أمام تصميمنا على مقاومة ظلمهم وطغيانهم". كما قال لأعضاء فرقته:"عرفت مسبقا أنكم لن توافقوا على ذلك، فاعتمدت على الله وسرت بكم لقوله تعالى:” فإذا عزمت فتوكل على الله".

بعد أسابيع من ذلك بدأت محاكمة بن ڤانة، ووقف الخصمان لدى القضاء للبت بينهما. يتظلم شباح المكي من بن ڤانة الذي أهانه وظلمه من دون حق، ومما يشد الانتباه، وما أشبه اليوم بالأمس ما قاله محامي شباح المكي السيد ديرلادحين مرافعاته معريا بن ڤانة وأفعاله وأساليبه، فقال: "بعد اطلاعكم على سيرة شباحالمكي، أريد أن أطلعكم على سيرة بن ڤانة، ترك والد بن ڤانة بعد وفاته ديونا كثيرة عليه، غير أن بن ڤانة أصبح من كبار أصحاب الملايين، ومن أين أتى بهذه الأموال؟.. مع العلم بأن راتبه لا يضمن له سوى الكفاف من العيش، إنه اغتصبها من الفلاحين الضعفاء والعمال، ومن الغرامات المالية والرشاوي، ومن طلاب وظائف للقيام والحكم ومن القتلة والمختلسين ليطلق سراحهم، هذا فضلا عن الأسفار للحج. أليس هذا هو الذي يستحق النفي والابتعاد وحتى القتل؟ لأنه بابتزازه هذه الأموال باسم فرنسا التي وظفته لكي يعمل على تحسين سمعتها في القطر الجزائري، وإذا به يسعى للحط من سمعتها بمثل هذه الأعمال، حتى كره هذا الشعب بفرنسا التي سلطت عليه مثل هؤلاء اللصوص المستترين باسم الحكومة". لو غُيَّرَ التاريخ بغير التاريخ والأسماء بغير الأسماء والأزمنة بغير الأزمنة، أما كنا نرى واقعنا الحالي في هذه المرافعة. السيناريو نفسه والظلم نفسه والأساليب نفسها، وكأنها مرافعة ضد كل ظالم خائن، بالحتم سيكون مصير خائن اليوم نفس مصير خائن الأمس.

حكمت المحكمة لصالح شباح المكي وغرمت الخائن بن ڤانة مبلغ 1000 فرنك كتعويض لما أصاب المكي. إلا أن القضية لم تنتهي عند هذا الحد، بل لأن ما عاناه شباح المكي لم يكن يسيرا قط، فبلغت أخباره إلى فرنسا وإلى دوائر القرار، فتقرر تعيين لجنة تقصي الحقائق في البرلمان الفرنسي وأرسلت إلى الجزائر بغرض البحث في تفاصيل ما جرى، واستجوبت عددا كبيرا من الناس ممن كانت لهم يد في سجن المكي ومنهم الحاكم العسكري للمنطقة وأيضا الباش آغا بن ڤانة، وتقرر في نهايتها استئناف الحكم الصادر في هذه القضية في فرنسا.

سنة 1939 وبعد فصله عن العمل في معمل جوب للدخان بسبب أنشطته النقابية والإضرابات التي كان ينظمها، انتقل شباح المكي عند أخواله في منطقة الأوراس في دوار عابدي. أياما بعدها انتقل مجددا إلى قرية املطان القريبة للاستقرار فيها ولبدء نشاط جديد في تجارة التمور. إلا أن أعين المحتل لم تغفل عنه، فداهمت بيته ليلا وعاثت فيه فسادا وتم إلقاء القبض عليه بتهمة القيام بأنشطة تجارية غير مرخصة وحيازة أسلحة محظورة، وحول إلى سجن باتنة حيث بقي فيه ستة شهور من دون محاكمة. خلال سجنه في باتنة انتقل بن ڤانة إلى السجن ليحذر مديره من شباح المكي، فدل ذلك على الحقد الدفين الذي عشش فيصدر هذا الخائن الملعون. بعد مقاضاته، صدر الحكم بسجن المكي عشرة أشهر ونفيه بعدها من البلاد لخمس سنوات. استأنف المكي الحكم في قضيته لدى محكمة الجزائر العاصمة، ومكث في سجن سركاجي ثلاثة شهور في انتظار محاكمته مجددا، فتمت تبرئته من التهم الموجهة إليه وأخلي سبيله.

عاد شباح المكي سنة 1944 إلى الجزائر العاصمة مع أهله، وتواصل مع الحزب الشيوعي الجزائري مقترحا فكرة تأسيس نقابة للفلاحين تدافع عن حقوقهم المسلوبة وتؤازرهم في مواجهة كبار الإقطاعيين وأعوانهم من الباشآغوات والقياد. تم تبني الفكرة وكلف المكي بالتنظيم والتوجيه في النقابة وبدأ في التحرك نحو الداخل مجتمعا وموجها لصغار الفلاحين الجزائريين. إلا أن تحركه في منطقة الأوراس لم يكن ليروق للاحتلال، فأعيد سجنه وحُوِّلَ إلى المحكمة العسكرية في قسنطينة. بعد التحقيق معه وتهاوي التهم الواحدة تلو الأخر، أُخْلِيَ سبيله شهرا بعدها.

خلال الحرب العالمية الثانية استشرى الظلم والفساد في البلاد، واستغل أصحاب النفوذ مناصبهم للتربح على حساب الفقراء والمساكين، وكان الباش آغا بن ڤانة على رأس الفاسدين المفسدين في منطقة بسكرة، إلا أن الظلم لا يدوم، ولا مناص من سقوط الظالم ولو بعد حين. تكاتف شباح المكي ورفقاءه من أجل إسقاط بن ڤانة وفضحه أمام الملأ، وكان لهم ذلك، فأثبتوا عليه تهم الاحتكار والمتاجرة في السوق السوداء ومنع التموين عن الفقراء، وصادر الجيش مؤونة كبيرة جدة تعدت مئات القناطير من القمح والحبوب في مخازن الباش آغا، ففُضِحَ أمره لدى القريب والبعيد. أُسْقَطَالأمر في يد الباش آغا بن ڤانة، وبرغم محاولاته وأعوانه تدارك الفضيحة إلا أن لعنة المظلومين لاحقته، وما فتئ أن مات بالغصة والقهر أسبوع بعد هذه الأحداث، فحُمَل إلى قبره وسقط في مزبلة التاريخ.

بدأت في هذه الفترة تلوح بشائر الثورة المسلحة، إذ تأكد بعد أحداث مايو 1945 أن اللغة الوحيدة التي يفهمها المحتل هي لغة الرشاش والبارود، وكان لشباح المكي ورفقائه في الحزب الشيوعي الجزائري الباع الأكيد في تحضير الثورة. فبدؤوا بتجميع السلاح وتدريب المجاهدين ونشر الوعي السياسي وروح النضال في أوساط الشعب.

انطلقت الثورة المباركة في غرة نوفمبر 1954، وقدم شباح المكي صورا رائعة في التضحية والجهاد في سبيل الله، وكان لهم الحظ الأوفر في الشهداء والجرحى، وما كانت منطقة الأوراس إلا شاهدة على طُهْرِ من قضى نحبه فيها على يد المحتل والخونة. قدم الحزب الشيوعي الجزائري ثلة من خيرة شبابه ومنهم رفرافي الصادق وأخيه مصطفى، ورفرافي المولود، وتاسوريت سي لخضر، تاسوريت بلقاسم سي الحاج، وتاسوريت المسعود وعمران علي، وعمران محمد، وعمران عبد الحميد، وغيرهم الكثير الكثير.

أُدْرج اسم شباح المكي في قائمة المطلوبين لدى سلطات الاحتلال، فاضطر إلى التخفي، ونصحه رفقاؤه بمغادرة الجزائر لخدمة القضية من الخارج، وتم تنظيم سفره إلى جنيف ومن بعدها إلى برلين ثم إلى شمال فرنسا. أسس جمعية ثقافية مسرحية ونشطها خلال تواجده هناك. صدر في حقه حكم بالإعدام غيابيا في يونيو 1955 من محكمة باتنة وألقي عليهالقبض وهو في شمال فرنسا، إلا أن اختلافا في اسمه ومكان ولادته في الحكم الصادر من محكمة باتنة مع وثيقة الهوية التي كانت معه مكنه من الإفلات من الاعتقال مع بقائه تحت المراقبة المستمرة لمدة سنتين.

بتكليف من جبهة التحرير الوطني، تولى شباح المكي خلال إقامته في فرنسا مهمة إرسال المحاربين إلى الجزائر عن طريق ليبيا، فقام بهذه المهمة بنجاح إلى الاستقلال.

مباشرة بعد الاستقلال عاد شباح المكي إلى الجزائر، وبادر في إعادة بعث نشاطه المسرحي، فتعاقد مع التلفزيون الجزائري لإنتاج مسرحية حول الثورة التحريرية، إلا أن وزير الفلاحة آنذاك كلفه بمهام في قطاعه نظرا لما تمتع به سابقا من خبرة في تعامله مع الفلاحين الصغار. إلا أنه اكتشف برغم زوال الاحتلال، فَروحُ الإقطاعيين والانتهازيين لا زالت موجودة في الوطن، فتصدى لنشاطه فلول الاستدمار، وحاولوا النيل منه بكل الوسائل ومنها تشويه سمعته والمس في وطنيته بسبب انتمائه ونشاطه في صفوف الحزب الشيوعي الجزائري.

ناضل شباح المكي بقوة في صفوف الحزب الشيوعي الجزائري ومن بعده حزب الطليعة الاشتراكية، ضل وفيا للمبادئ التي آمن بها منذ نعومة أظافره، فما كان ليغير مواقفه وقد ثبت عليها في أزمنة كانت فيها التحديات أكبر بكثير.

برغم انتماءاته السياسية، فقد عرف عن شباح المكي التقوى والورع والتدين، وكان مما قال في مذكراته:"بكل صراحة أن المبادئ المبنية على أساس العدالة الاجتماعية بين الناس، ومحاربة استغلال الأغنياء الرأسماليين ومناصرة المظلومين والضعفاء هي الأقرب للدين الإسلامي، ألم يأت في قوله تعالى:” ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ”.

كما حصل نقاش بينه وبين العلامة عبد الحميد بن باديس في نفس الموضوع قال فيه شباحالمكي :أنا مسلم عربي جزائري، لا أرى في مبادئ الحزب الشيوعي ما يتعارض مع الإسلام، فهل يحرم الإسلام تعاون المستضعفين والمظلومين على مقاومة ظلم الاستعمار واستغلال حلفائه الأقوياء؟!.

بتاريخ 22 جانفي 1991 توفي شباحالمكي في صمت وتهميش رهيبين فووري جثمانه الطاهر في بلدته سيدي عقبة. مصيره كمصير كل ثوري مخلص ثابت على مواقفه، وكأني بمن حاك ضده الدسائس والمؤامرات تنفس الصعداء لظنه غياب الشوكة التي كان من شأنها أن تفضحه وكل حرايمي أو عديم الوطنية.

إلا أن التاريخ لا يرحم، فكم من شخصية وُئِدَ ذكرها تحت التراب عادت وبُعِثَ فيها الروح من جديد بعد حين. يبقى الخائن خائنا والوطني وطنيا، هذا معدنه من ذهب لا يزول ولا يبلى بينما ذاك مصيره في كومة النفايات قضى عليه الصدء والزمن.

رحم الله شباح المكي وأسكنه فسيح جنانه وجازاه عن الأمة خير الجزاء هو وجميع من أخلص لهذا الوطن.

 

والله من وراء القصد.