مهرجان مسرح الهواة المدرسة الكبيرة للإبداع الحر

 يعتبر المهرجان الوطني لمسرح الهواة لمدينة مستغانم من أعرق التظاهرات الثقافية على المستويين الإفريقي و العربي حيث شكل ظهوره لأول مرة صيف سنة  1967 منعرج جديد في مجال الخريطة الثقافية للجزائر المستقلة من خلال بروز منبرمتميز للتعبير الفني الحر  بفضل نخبة من الوطنيين الذين تشبعوا بمفاهيم الحركة الوطنية السائدة في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية حيث كان للفعل الثقافي النضالي  وقعه الخاص على شخصية مؤسس المهرجان المرحوم مصطفى بن عبد الحليم المدعو سي الجيلالي 1920/1990 بعدما إكتشف الرجل مبكرا دور و مكانة الثقافة في تحديد معالم الهوية الوطنية لدى الجزائريين و التي عمل المستعمر الفرنسي على طمسها طيلة 132 سنة من الإستطان.

تبلور مشروع تأسيس المهرجان الوطني للفن الدرامي لدى سي الجيلالي مباشرة بعد الإستقلال في ظل التجربة المسرحية المتراكمة لديه و لدى مجموعة من عمداء الكشافة الإسلامية على غرار الحاج المكي بن سعيد ،الإخوة بودراف،عبد القادر طامسكات،بلقاسم بخلوف،محمد مفلاح،الحاج نايت محمد سي علي ،عبد القادر بلمقدم،بفضل نشاطهم المسرحي منذ سنة 1945 ضمن الفرقة المسرحية التي أسسها المرحوم على مستوى فوج الفلاح في حي تجديت العتيق حيث سرعان ما إقتنع أتباع الجيلالي بن عبد الحليم بالمشروع و إنطلقوا في تجسيده على أرض الواقع بفضل تظافر جهود الخييرين من أبناء المدينة حيث تصادف إعلان تنظيم الدورة الأولى سنة 67 مع إنعقاد التظاهرة الإقتصادية النصف شهرية لبلدية مستغانم من تنظيم نقابة المبادرات السياحية الأمر الذي سهل للمنظمين إستضافة الفرق المشاركة من ولايات الغرب الغربي . حيث تتميزت هذه التظاهرة كونها نابعة من الأوساط الشعبية التي ساندت و احتضنت المهرجان مند الطبعات الأولى بعيدا عن الإطار الإداري والسياسي  .لقد واجه  المهرجان الوطني لمسرح الهواة خلال مسيرته مند أول دورة سنة 1967العديد  من المشاكل و الصعوبات المالية غير أن عزيمة وإرادة الطبقات الشعبية و المنظمين خاصة الهلال الأحمر الجزائري بقيادة المرحوم لعرج برياطي و السيد بن دردوش رئيس بلدية مستغانم في تلك الفترة ، حالت دون توقف أو إنقطاع  التظاهرة علما أن أولى الطبعات كانت تقام في ملعب الشهيد محمد بن سليمان لكرة القدم وسط حضور جماهيري منقطع النظير وصل عدد المتفرجين حوالي 6 ألاف متفرج بينهم عائلات حيث كان لهذا الحضور الشعبي لمتابعة العروض ،وقعه الخاص على المنظمين في قياس مدى نجاح التظاهرة  التي بلغ مدى صداها باقي مناطق الوطن الأمر الذي عجل بإلتحاق فرق من الشرق الجزائري بالمهرجان خاصة فرق مدينة قسنطينة و الجزائر العاصمة و وهران .لقد ساير المهرجان أهم و أبرز التحولات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للجزائر حيث شكلت هذه الرهانات السياسية مواضيع لمسرحيات واكبت هذه الأحداث أهمها التوجه السياسي الإشتراكي  للسطلة في الجزائر فقد تناول المسرحيون على خشبة مسرح الهواة مواضيع الثورات الثلاث كالثورة الزراعية و الصناعية و الثقافية فضلا عن مواضيع ذات صلة بإشكالية التحرر في العالم كالقضية الفلسطينية،و الصحراوية و قضية الميز العنصري في البلدان القارة الإفريقية حيث ظل المهرجان الوطني لمسرح الهواة منبرا للكلمة الحرة و تعدد الأفكار تخرج منه مئات الممثلين و المخرجين و الكتاب كما إستقطب طيلة عشرات السنين إهتمام السياسيين و الإعلاميين و النقاد و الجامعيين بإعتباره ظاهرة ثقافية فريدة من نوعها في الوطن العربي ،إستمدت قوتها من حيوية و نشاط الشباب الجزائري الذي كان يؤمن بالإبداع .في هذا الإطار يؤكد الغالي العاقب أحد الفاعلين البارزين في لجان تنظيم المهرجان و رئيس المهرجان في الفترة الممتدة ما بين 1972 و 1974 على أهمية المهرجان كمصدر إشعاع ثقافي في الجزائر بفضل عبقرية و حس المؤسس سي الجيلالي بن عبد الحليم الذي كان رجلا زاهدا بعيدا عن المغريات بالرغم من المكانة التي كان يحظى بها الرجل لدى المسؤولين على جميع المستويات .و إعترف المتحدث في شهادته،

 أن مرحلة إعادة  إعادة هيكلة تنظيم الكشافة الإسلامية  الذي أشرف على تنظيم الطبعات الأولى للمهرجان ،كانت أصعب المراحل التي مر بها المهرجان خاصة من تنظيم خاضع لنظام الاتحاديات يتوفر على قدر من حرية الممارسة و النشاط  إلى تنظيم جماهيري تحت وصاية حزب جبهة التحرير الوطني ،أن فئة قليلة كانت تؤمن بنجاح مشروع المرحوم الجيلالي بن عبد الحليم في تأسيس مهرجان للفن الدرامي في الجزائر على خلفية الضبابية التي كانت سائدة في تلك المرحلة مباشرة بعد أحداث 19 جوان 1965 التي صعدت بالرئيس الراحل هواري بومدين إلى سدة الحكم  خلفا للرئيس أحمد بن بلة ناهيك عن غياب صريح في مجال  التشريعات و القوانين المنظمة للنشاطات الثقافية في جزائر بعد الإستقلال في هذه الظروف إنطلقت أول دورة للمهرجان بفضل إحتضان مجموعة من الرجال لمشروع الجيلالي بن عبد الحليم المتمثلة في عمداء الكشافة الإسلامية من فوج الفلاح الذي كان يضم في صفوفه أعضاء  فرقة مسرحية كان قد أسسها بن عبد الحليم في سنة 1945 حيث تزامنت الدورة الأولى  المهرجان سنة 1967 مع تظاهرة إقتصادية و تجارية من تنظيم نقابة المبادرة السياحية حيث وفرت هذه التظاهرة الرعاية و الدعم للمنظمين من عناصر الكشافة الإسلامية الذين كان لهم دور بارز إلى جانب سكان المدينة الذين إحتضنوا التظاهرة خاصة التجار الذين لم يبخلوا بالدعم المادي الأمر الذي ضمن  إستمرارية المهرجان في أولى خطواته بما ضمن للمهرجان الطابع الوطني بداية من الطبعة الثانية سنة 1968 من خلال مشاركة فرق قسنطينة و وهران و الجزائر العاصمة و سيدي بلعباس و سعيدة و برج منايل و سطيف حيث إنضم لأسرة  المهرجان إعلاميين و جامعيين و ممثلين محترفين بفضل المساهمة القيمة للمسرح الوطني الجزائري في عهد المرحوم مصطفى كاتب إلى جانب المسرح الجهوي لمدينة وهران مع ولد عبد الرحمن كاكي و عبد القادر علولة من خلال توفير التجهيزات و المعدات في مجال الصوت و الإضاءة .و في خضم الحديث عن مسيرة مهرجان مسرح الهواة،تطرق الغالي العاقب،إلى أبرز المحطات التي ميزت المهرجان و التي لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد خاصة في عهد النظام الاشتراكي الذي تبنته السلطة في الجزائر حيث أصبح مهرجان مسرح الهواة عبارة عن منبر للتعبير الحر و التعددية الفكرية في ظل فكر الحزب الواحد .و بالرغم من محاولة بعض القياديين في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني فرض الرقابة على النصوص المسرحية إلى أن المهرجان ظل يحافظ على إستقلاليته من كل تبعية بفضل الحركية الثقافية و التيارات الفكرية  التي برزت لدى الفرق المسرحية من مختلف مناطق الوطن حيث كانت تعرض المسرحيات على مستوى القرى الإشتراكية و في المصانع و المستثمرات الفلاحية ناهيك عن  تأثير المهرجان و تداعياته على إنتشار الممارسة المسرحية في الجزائر من خلال ميلاد مئات الفرق فضلا عن عشرات المهرجانات في الفن المسرحي ،فقد إكتشفت فرق أجنبية و عربية سحر خشبة مسرح الهواة من خلال مشاركة عديد الفرق في هذا الموعد السنوي حيث إستضاف المهرجان دورات أورومتوسطية و أخرى عالمية جعلت من حلم مؤسسه يتحول غلى حقيقة يعانقها الجميع.

 كما  كان للمهرجان رجال في السلطة آنذاك يدعمونه على غرار أحمد طالب الإبراهيمي بصفته وزير الثقافة أنذاك  و عبد الله فاضل وزير الشباب و الرياضة ، إلى جانب نائب مسؤول المنظمات الجماهيرية في تلك الفترة السيد قادة أحمد .لقد ظل المهرجان الوطني لمسرح الهواة على مدار سنوات طويلة ،مدرسة في التكوين على أكثر من صعيد تخرج منها العديد من الممثلين و المخرجين و الإعلاميين و منهم حتى من تقلد مناصب المسؤولية في هرم السلطة .و تأسف الغالي العاقب الذي تابع مسيرة المهرجان،عن فترة طغى فيها الطابع البيروقراطي على التظاهرة في مجال التنظيم خاصة في فترة  الثمانينيات من القرن الماضي إلى تم تدارك الوضع مباشرة بعد صدور قانون الجمعيات سنة 1990 حيث تم إنشاء الجمعية الثقافية للمهرجان الوطني لمسرح الهواة في فترة عصيبة من تاريخ الجزائر تزامنت مع صعود التيار الإسلامي إلى المشهد السياسي و ما تلاه من أحداث عنف و تخريب حيث إستمر المهرجان في مسيرته رغم كل الصعاب .هذا،و قد نوه العاقب  بدور الفنان جمال بن صابر رفقة المحافظ الحالي للمهرجان محمد نواري في إعطاء نفس جديد للمهرجان من خلال الإنفتاح على الخارج حيث تم تنظيم دورة أورومتوسطية و أخرى دولية و إنتعشت في هذه الفترة الورشات التكوينية و الملتقيات الفكرية

المصدر:نوافذ ثقافية-مكتب مستغانم:العربي بن زيدان