مسرح الشارع في المغرب: صعود صاروخي!

أبرز الباحث المغربي "طارق الربح"، الأحد بمدينة كلباء الإماراتية، الصعود الكبير لمسرح الشارع في المغرب، وسط مؤشرات عن اتساع الظاهرة لتشمل الوطن العربي. 

برسم الملتقى العلمي لمهرجان كلباء السادس للمسرحيات القصيرة، لفت "الربح" إلى أنّ تجارب مسرح الشّارع المغربية آخذة في الانتشار والنّمو، سواء على مستوى الإبداع والإنتاج، أو على مستوى التّوزيع والتدبير، بالإضافة للتزايد المستمرّ لفرق مسرح الشّارع، المتخصّصة منها وغير المتخصّصة، وتزايد المهرجانات والتظاهرات الّتي تحتفل بالفرجة في الأماكن العمومية.

وفي أعقابه عرضه لفحوى أطروحة الدكتوراه التي ناقشها بجامعة بن طفيل في المغرب، والموسومة "مسرح الشارع بالمغرب، التأسيس والتطلعات"، ركّز "الربح" على أنّ مسرح الشّارع في بلاده تحصيل حاصل، وهو ما وقف عليه هذا الفنان والكادر الثقافي في عدّة محطّات.

وأشار "الربح" إلى أنّ هناك عدة دول عربية تعرف انفراجا مهما في الحريات العامة، وحرية التعبير، وتعرف بداية اهتمام، أو اشتغالا هاما في مسرح الشارع، وهو ما يتطلب – بحسبه -تكثيف الجهود للوقوف على واقع الظاهرة في البلدان الناطقة بالعربية، وتشجيع مساعيها.

تجارب جادة

"الربح" الذي حُظيت أطروحته بإشراف الأكاديميين البارزين د. "عز الدين بونيت" و"أحمد الغزي"، نوّه  

بأنّ اهتمامه بمسرح الشّارع، بدأ مع بحث الماستر، الذي تمحور حول "السينوغرافيا ومجالات اشتغالها"، وكان مسرح الشّارع من بين هذه المجالات.

وفي منهجيته المعتمدة لبحث حُظي باهتمام عدة فعاليات من المغرب وخارجه، طرح الباحث المغربي الظاهرة بمفهومها الغربي، ثمّ وقف على طبيعة وحجم مقابلها المحلّي، من أجل تأكيد أو نفي وجود تجارب جادّة لمسرح الشّارع بالمغرب. إلاّ أنّه مع تطور البحث، وبموازاة تنامي الظّاهرة بالمغرب، أصبح من المؤكّد أنّ انتشار مسرح الشّارع مستمر، فكان طبيعيّا أن يهتمّ أكثر بالتأريخ لمعظم التجارب والمبادرات لتكوين رؤية أكثر وضوحا عن الموضوع، ومن مناحِ مختلفة.

وبالنسبة لهيكلة الأطروحة، قسّمها "الربح" إلى ثلاثة أقسام، وقام بصياغة كلّ قسم منها في أربعة مباحث، واحتوى كل مبحث على عناوين رئيسية وأخرى فرعية حسب تشعّب الموضوع وأهمية المبحث.

علائقية فنون الشارع والفرجات الطلائعية  

في قسم "مسرح الشارع وعلاقته بفنون الشارع"، أراد "الربح" أن يضع أرضية لوضع ظاهرة مسرح الشّارع في سياقها المفاهيمي العام، محاولا ربط مدلول تسمية "مسرح الشّارع" بواقع الممارسة الفنية، في مراحل مختلفة من تاريخ المسرح بالغرب.

ووسط تبحّر في تناول المفاهيم والتعاريف، ركّز "الربح" على بوادر أكثر حداثة، منها التنظيرية (مثل كتابات "جان جاك روسو" أواسط القرن الـ 18، وتنظيرات "أنطونان أرطو" بداية الأربعينات، ومنها الفرجوية، مثل عروض "لاجي-بروب"l’agit-prop الّتي انطلقت من روسيا لتنتشر في أوروبا.

في المقابل، طرح الباحث سؤال البداية في العصر الحديث، وعلاقته بالممارسة الفنية، مُنطلقا من تأثيرات القارة الأمريكية في ظهور مسرح الشارع بأوروبا (عن طريق الليفينك تياتر ومسرح المقهور، وكذلك عبر البيرفورمنس والهابنينك وغيرها من الفرجات الطلائعية).

وطرح "الربح" جردً لأهمّ التجارب الغربية في مجال مسرح الشّارع، مركزاً على تلك المرتبطة من قريب أو بعيد بظهور مسرح الشارع بالمغرب.

وفي قسم "مونوغرافيا مسرح الشارع بالمغرب"، وثّق الربح لواقع مسرح الشّارع بالمغرب، على ضوء ما أورده من معطيات وتجارب، وتوقف عند تجارب كلّ من الشهير "الطيب الصديقي" بمسرحه الجوّال الّذي يمكن اعتباره سبقا في تاريخ المسرح المغربي، بالإضافة لمبادراته الأخرى الّتي خرجت بالمسرح من القاعات.

وإلى جانب "الصديقي"، أدرج "الربح" كتابات "عبد الكريم برشيد" وتنظيراته المسرحيّة الداعية لإيجاد مكان عرض (عربي) نابع من الثقافة الشعبية، لتعويض العلبة الإيطالية المستوردة (كما يصفها برشيد).

الانتماءات التكوينية

قارب "الربح" الانتماءات التكوينية للممارسين في مجال مسرح الشّارع بالمغرب، وهي ثلاثة على أبعد تقدير:

فئة خرّيجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي المتواجد بالرباط (فرقة تيرمينوس وفرقة أونكور)، وفئة خرّيجي المدرسة الوطنية للسيرك "شمسي" بمدينة سلا (فرقة كولو كولو)، ثمّ فئة ثالثة للمتكوّنين بالممارسة في تجارب محترفة، محلية أو دوليا (فرقة المسرح الرّحال).

وفي مقاربة نظرية وجمالية لمسرح الشّارع بالمغرب، تطرّق "الربح" إلى علاقة فرجات مسرح الشارع بفضاء العرض، المتراوح ما بين الروحانية والعمومية، وربط ذلك بالتراث المحلّي والفرجات الشعبية.

الفرجة المسرحية

الفرجة الشعبية

تحدث في المجال الحضري

تشتغل في إطار مؤسّساتي مدني

تُلَقّن بالدراسة والتدريب

تحدث في المجالين القروي والحضري

تشتغل في إطار عرفي تقليدي

تُلَقّن بالمعايشة والممارسة

تظَلُّ الفرجة المسرحية مسرحا حتى وإن قدِّمت في البوادي، وتظَلّ الفرجة الشّعبية احتفالا تقليديا حتى وإن قدِّمت في المدينة.

ولأنّ المدينة هي التّي جعلت الفرجة المسرحية معرفة أكاديمية تُدْرَس وتُدَرَّس، قارب الباحث المغربي الشاب، علاقة مسرح الشارع بالمدينة، على اعتبار أنّ لا وجود للمسرح دون تدبير مدنيّ، في حين أنّ الفرجات الشّعبية تظّل مقترنة بالبوادي والقرى أكثر من اقترانها بالحواضر، وتعتمد في تنظيمها التدبير العُرفِي التقليدي.

مساءلة مشهدية المدينة

باعتبار المدينة معطى جماليا، كان لا بدّ من مساءلة مشهدية المدينة في علاقتها بمشهدية العرض المسرحي، فقد تكون المدينة مسرحا للحدث الدرامي/ أي حاملا لفرجة، وقد تكون هي الحدث بذاته/ بوصفها معطى فرجوي. 

ومنه كان مشروعا أن يتساءل "الربح" عن ماهية السينوغرافيا الحضرية، واستفهم: هل هي سينوغرافيا في الشارع، أم أنّ الشارع هو الّذي يصبح سينوغرافيا.

وللاقتراب أكثر من واقع مسرح الشارع بالمغرب، خصّص "الربح" آخر مباحث أطروحته للإحاطة بإمكانات الإنجاز وظروف العرض، حتى تكتمل الرؤية ويستخلص معارف أساسية لفهم الظاهرة.

جرأة  

توصّل "الربح" إلى أنّ عروض مسرح الشّارع المغربية تتّصف بالجرأة، سواء تعلّق الأمر بالخطاب أو بالعناصر المشهدية (من قبيل: حركات إيمائية، التعرّي الجزئي)، وهو ما يثير حفيظة بعض المشاهدين لكنّ ذلك لا يشكّل لديهم أيّ نفور، فيَسْتَمِرون في المشاهدة إلى أن تنتهي المسرحية ليجدوا أنه من الصعب الأخذ في التفاصيل أمام تكامل العرض وتماسك عناصره الجمالية.

ولاحظ "الربح" أنّ جمهور مسرح الشّارع يختلف عن جمهور القاعات بامتلاكه خيار متابعة العرض أو عدم متابعته، وبتحكّمه في اختيار زاويّة المشاهدة، وطبيعة التجاوب، حيث لا وجود لعادات مسبقة، فنجد المتفرّج يجتهد في خلق فرجته الخاصّة في غياب جدران القاعات، والكراسي والأرائك المريحة.

من الجانب القانوني، لا وجود لنصّ صريح يضبط تنظيم الفرجات الفنية والأنشطة الثقافية، في منصوص قانون الحريات العامة بالمغرب، بل يتِمّ القياس في ذلك اعتمادا على نصوص قانون التّجمّعات العمومية.

كما أن الشرطة والسلطات المحلية لا تتدخل في محتوى العرض، بل تحرص على أمن الفنانين، وحفظ الامن العام.

طارق الربح في سطور 

سينوغراف باحث، وأستاذ التعليم الفنّي
- بكالوريا في شعبة الفنون التشكيلية، من ثانويّة الحسن الثاني بمراكش
- خرّيج المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، في شعبة السينوغرافيا
- ماستر في الدراسات المسرحية عن موضوع "السينوغرافيا ومجالاتها" من جامعة ابن طفيل بمدينة القنيطرة
- دكتوراه في المسرح، بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، في موضوع "مسرح الشّارع بالمغرب"
- قام بعدّة تكوينات في المجال المسرحي الاحترافي بفرنسا
- اشتغل مع مجموعة من الفرق المحترفة في مجال المسرح 
- من مؤسّسي مهرجات "تي-آرت" بالرباط
- مدير دار الثقافة بمدينة بني ملال

المصدر:موفد نوافذ ثقافية الى كلباء-فالح نوّار