في إختتام مهرجان مسرح التجريب بمدنين في تونس:مسرحية "خوف"تقدم مشهدية التطرف التي تفكك المجتمعات

أسدل الستار عن فعاليات الدورة 22  للمهرجان الوطني لمسرح التجريب لمدينة مدنين التونسية وسط أجواء إحتفالية رائعة ،ساهمت مواكبة الجمهور العريض من المدينة و خارجها لبرنامج التظاهرة طيلة أسبوع كامل ،في ترسيخ ثقافة المواطنة لدى فئات إجتماعية متعددة من داخل الحركة مسرحية و خارجها بدليل إنخراط مواطنين عاديين ضمن برنامج الورش التكوينية التي سطرتها إدارة المهرجان المتمثلة في مركز الفنون الدرامية و الركحية تحت إشراف السيد جمال شندول و فريق العمل الفني بقيادة المخرج المسرحي علي يحياوي ،ناهيك عن المساهمة النوعية لمثقفي و فنانو المنطقة  بمختلف مستوياتهمم العمرية  في إدارة جلسات النقاش التي تتبع العروض المسرحية كل ليلة ،كما توسعت رقعة المشهدية الركحية و الفنية لتشمل المداس الإبتدائية ،و السجون المدنية فضلا عن الفضاءات الثقافية  الخاصة،و الساحات العمومية .

ودعت جماهير مدينة مدنين ،مهرجانها السنوي على أمل أن تتميز الطبعة القادمة بالتألق و النجاح ،و هو رهان جديد يقع على إدارة مركز الفنون الدرامية و الركحية ،بعدما رفعت سقف المشاركة خلال الدورة 22 ،عاليا من خلال إستضافة أهم الأعمال المسرحية المنتجة على مستوى عدد من مراكز الفنون الدرامية محليا ،إلى جانب مشاركة أجنبية مقبولة ممثلة في جمعية نوميديا للمسرح من الجزائر ،و فرقة المسرح و الرقص من كوت ديفوارالتي نشطت برنامج الهواء الطلق كما نظمت ورشة في الرقص و الكوريغرافيا ،إلى جانب مشاركة فنانة كاميرونية بعرض في المونودرام،و الفنانة التونسية ،فريال المقيمة في فرنسا حيث قدمت عرضها الموسم "مصير فراشة" و هو عبارة عن عرض في الكوريغرافيا يمتد على مدار ساعة من الزمن الركحي ،خاضت الفنانة في تفاصيل تداعيات التحول السياسي و الإجتماعي على حياة المرأة التونسية في شكل مخاض جديد قد يتعارض مع توجهات العصرنة و التحرر لدى المرأة في تونس خاصة على مستوى الإنفتاح  على خلفية ظهور تيار التطرف الديني .وعن أجواء المهرجان  أكد مدير مركز الفنون الدرامية و الركحية لمدينة مدنين،جمال شندول،"أن أقوى إنطباع ،يمكن تسجيله مباشرة بعد إختتام الطبعة 22،يمكن إختساره في الحضور القوي و المتواصل  للجمهور ،خاصة فئة الشباب من الجنسين،طيلة أيام المهرجان ،و هو أكبر رهان سيظل مركز الفنون الدرامية،يشتغل عليه ،كأرضية ،تضمن للمهرجان ديمومته،و سيرورته حتى يصل إلى مستوى التظاهرات الثقافية بأبعاد ،فنية و سياحية و إقتصادية".

مسرحية "خوف" مسك ختام مهرجان مدنين

إضطر مدير المسرح الوطني التونسي،الفنان فاضل الجعايبي إلى قطع جولة مسرحية في بلد أوروبي ،ليشارك جمهور مهرجان مسرح التجريب الذي ينتمي لمناطق الجنوب الشرقي من تونس العميقة  ،نشوة الإستمتاع بأخر إنتاج المسرح الوطني في مسرحية "خوف" التي كانت فعلا مسك ختام الدورة 22 و تقول الأصداء ،أن الفنان فاضل الجعايبي ،تربطه علاقة وطيدة بفناني المنطقة ،بالنظر لما يقدمه مركز الفنون الدرامية و الركحية لمدينة مدنين من أعمال مسرحية راقية تحت إدارة المخرج المسرحي ،علي يحياوي حيث تصنف إنتاجات المركز في السنوات الأخيرة ،ضمن أحسن الأعمال التي تنتجها مراكز الفنون الدرامية على غرار ،مسرحية "كعب غزال"،و "راي ينو سيتي" و "السمكة الغجيبة".و في ظل توفر هذا المناخ الفني الثري و المتنوع،فقد سجلت مسرحية "خوف" ليلة سهرة الإختتام ،حضور جمهور قياسي غاصت به قاعة العرض ،لمشاهدة أحد أهم الأعمال المسرحية ضمن مجموعة من المسرحيات التي أخرجها الفنان فاضل الجعايبي في الفترة الأخيرة  بما يتناسق مع مبدأ "مسرح الإستعجال" أين يتحول الفنان المبدع إلى شاهد على الأحداث ،يؤرخ للمرحلة ،و يستشرف مخاطر المرحلة.و ضمن هواجس مرحلة ما بعد ثورة الياسمين التي أسقطت نظام الرئيس بن علي ، و ما تمخض عن مسار الثورة من إرهصات على مستويات إجتماعية ،سياسية إقتصادية ،ناهيك عن تدهور خطير في الجوانب الأمنية من خلال ظهور تيار التطرف الديني و الجماعات الإرهابية ،حيث إشتغل فاضل الجعايبي رفقة رفيقة دربه الفنانة جليلة بكار، في مسرحية "خوف" على الخوف كظاهرة أنتروبولوجية لدى الإنسان ،قد تتفاقم حدتها إجتماعيا إلى درجة متقدمة من التوحش .و إنطلاقا من قصة ،فوج الكشافة، كتنظيم يوصف بمدرسة للوطنية و تعلم قيم التضامن حيث يتوغل ا هذا لتنظيم العريق في ذاكرة الشعوب،و في مسيرتها التحريرية ضد الإستعمار،تنظلق أحداث مسرحية "خوف" بهبوب عاصفة هوجاء،تعيق تحرك و سير فوج الكشافة حيث تتسبب  هذه العاصفة في تيهان أفراد الفوج الكشفي بما يستحيل عليهم تحديد أي وجهة أو مكان وجودهم إلى أن تجرهم هذه الرياح العاتية داخل مستئفى مهجور لتبدأ من هنا محاولة البحث عن منفذ للهروب و النجاة.و سط حالات الفوضى و الإضطراب و القلق الذي يصيب الفوج سواء قادة كشفيين أو أشبال في ظل بروز صراعات ثنائية و جماعية تحيل المتتبع على الواقع العربي المتأزم خاصة على مستوى الدول التي عرفت بالربيع العربي حيث تتداخل أطراف الصراع و تتناحر بما يساعد على إختراق المجتمعات من طرف قوى التطرف الديني و الجماعات الجهادية و الإرهابية  المتحالفة مع المخابرات الأجنبية،كما تحيل مشاهد المسرحية ،المتلقي إلى تقفي أثار هاجس هذا الخوف  على نفسية المواطن العادي .  لقد تناولت مسسرحية "خوف"هذا الطرح بإحترافية عالية ،أدار المخرج فاضل جعايبي،اللعبة الركحية  بطريقة  سينمائية ،تعتمد على المشاهد السريعة ،مدعومة بالتأثيرات الصوتية، و ديكور أسود ،في وقت أعطى الحضور القوي للممثلين قيمة فنية و جمالية كبيرة للعرض من خلال  بنية درامية للشخصيات ،تجسد العنف و الخوف و القلق و مواقف ساخرة ،قدمت ملامح الشخصيات ،بينهم الأستاذة التي تحلم بالعودة لمقاعد الدراسة ،و الشاب الذي يود التخلص من مأزق العاصفة ليحقق حلم الزواج و السفر إلى الخليج ،و شخصية قائد الفوج صاحب قصابة لبيع اللحوم ،قائد همه الوحيد ،المؤنة و الأكل و يقاسمه الدور نائبه ،الإنتهازي الذي يتربص الفرص كي يصبح القائد الجديد ،إلى جانب شخصية المتطرف الذي يخترق الفوج ،و يعمل على إحكام سيطرته و تأثيره على فوج .تجدر الإشارة ،أن مسرحية "خوف"  عرفت مشاركة كل من ،فاطمة بن سعيدان، رمزي عزيّز، نعمان حمدة، لبنى مليكة، أيمن الماجري، نسرين المولهي، أحمد طه حمروني، معين مومني، مروى المنّاعي.

المصدر:موفد نوافذ ثقافية الى تونس- العربي بن زيدان