ملتقى الأقلام الواعدة بصفاقس:تونس تحلق في النص وتعيد ترتيب الإنسان

قراءة في التظاهرة وتغطية للفعاليات- سلوى لميس مسعي

عندما تنظر من الداخل فأنت ترى بقوة ملاحظة تختلف كثيرا عن الرؤية من الخارج ، ذلك ما يحدث عندما تعيش على مدار أربعة أيام في مدينة صفاقس التونسية ، وسط تظاهرة أقل ما يقال عنها أنها استطاعت الإستمرار عشرية كاملة من الزمن تحت شعار يذهب بالكتابة إلى المستقبل محملا جيلا من المبدعين التوانسة والعرب مسؤولية ترتيب البيت الثقافي ، والتحليق في سماء نص جديد هو في الحقيقة "الإنسان "عينه سواء كان فاعلا أومفعولا فيه على حد تعبير أرغب من خلاله تقريب عملية التداول على الحراك الثقافي من جيل عايش مراحل مختلفة من تاريخ تونس ويحتفظ إلى يومنا هذا بنفس القيمة محاولا في تجزأة فعله الثقافي مقاسمة هذه القيمة مع أجيال واعدة.

  ترتكز هذه التظاهرة الثقافية على رؤية شمولية تنطلق من الترغيب في التغيير واستقطاب نخب جديدة واشراكها الفعل الثقافي مؤمنة أن الحمل مسؤولية الجميع ، وأن المرحلة تقتضي البدء من الإنسان ذلك الكائن المتفرد في طبعه بالرغبة الجامحة إلى التغيير .

وقع الإختيار على" النص" كمادة أولى لتحريك ساقية النبع وحصد ما يطفو على سطح النبع ذلك أن "المتن" نقي وهو بحاجة إلى نفض غبار مابعد الثورة ، معتقدا أن الإنسان بحاجة دائمة إلى تجديد وإعادة ترتيب دواليبه الفكرية انطلاقا من نتاجه الفكري والإبداعي ذهابا إلى رؤية ثقافية تنأى به عن التشويه وتذهب به إلى الخلاص من خلال تبني السلوك الثقافي ، وتجديد العدوى به في كل دورة .

وقع عاتق هذه المسؤولية على نخبة من المثقفين من داخل وخارج مدينة صفاقس  على غرار مديردار الثقافة باب بحر الشاعر أحمد الشايب مرورا بالمبدع الهادي العايش رئيس الجمعية الثقافية  "محبات" وهو اسم يحتمل قراءات عديدة لإرتكازه على "المحبة " كوازع يدفع بالفعل الثفافي إلى القناعة به ، ما جعل السيدة ربيعة بالفقيرة مندوب الثقافة بالجهة تؤمن بقوة الفعل الثقافي داخل حصانة ادارية هدفها الأساسي ترسيخ الفعل الثقافي واخراجه من أي خلخلة قد تجهر بفساده لتملأ المبدعة ريم المعطر أي فراغ من شأنه أن يرسم هفوة في عيون المشاركين فيما تكفل المبدعين لسعد لعبيدي ومحمد نجاح بتأريخ اللحظات الهاربة والتقاط مئات الصور التذكارية.

ذاكرة وثقافة تكريما لروح الكاتب محمد البقلوطي

أن ينطلق ملتقى ثقافي عربي بهذا الحجم من نادي ثقافي للشعر والقصة "محمد البقلوطي" ويواكب عشر دورات كاملة هو في الحقيقة انتصار لمبدأ تجسيد النص في جسد الإنسان واخراجه من عزلة الذات ، وجعله قضية فكرية تحمل شعار "جسد النص ونص الجسد" وتحويله في نفس السياق إلى فعل ثقافي جماعي مكرس اجتماعيا للنخب المهتمة والنخب المشاهدة وخلق مصطلح جديد وهو "النخب الصديقة" لذاكرة وثقافة المبدع الفذ "محمد البقلوطي" .

تخلص الملتقى من الإرتباك وبات بعد عشر سنوات تجربة هامة يخوضها كتاب عرب على غرار الروائية المصرية نوال السعداوي والناقد المغربي سعيد يقطين ويحضرها دون تردد الشاعر التونسي المعروف منصف المزغني ، عابرين مجازات "النص" كما عبروا خارطة الكتابة بكل تجلياتها الإبداعية .

إن ملتقى الأقلام الواعدة في تونس هو في الحقيقة ابحار في تجربة الكبار واحالتها على الأجيال الجديدة من خلال توطيد علاقة الكتاب المبتدئين بالبياض وتعميق تجاربهم عبر ورشات تنافسية في القصة القصيرة والقصيد عبورا إلى النثر والسرد بكل أنواعه ، سخرت ادارة المهرجان وجوها فاعلة في الميدان على غرار الكاتبة المغربية ربيعة ريحان و الروائي محمد عيسى المؤدب الذي يحاول بدوره ملأ فراغ الفكرة بوشوشة القلق لدى شباب المنطقة والخروج به إلى بر الأمان وهو في الحقيقة أمان القصيدة من شبح النسيان .

جانب المداخلات : 

باشر الملتقى أشغاله في الأصبوحة الأولى من افتتاحه دون تمهيد لتماطل الوقت معبرا عن مواجهة قلق ثقافي فكري بالأساس من خلال مجموعة مداخلات قيمة كان الإستماع لها استمتاعا ، وامعانا في ولوج القضية داخل حيزها وتفكيك تشعبها من الأنا إلى الآخر ومن النص كمادة محسوسة إلى الجسد كمادة ابداعية ملموسة ولعل مداخلة الأستاذ وحيد اللجمي المعنونة ب" اللامس والملموس في النص والمنصوص ، مقاربة سيميولوجية لهوية النص والجسد"  عبرت بشكل دقيق على اشكالية الملتقى في دورته العاشرة عبر قراءة في جسد الإبداع من خلال الإنسان وتشريح لسلطة الحواس وادراك ماهية الحواس نفسها  حيث يتلبس النص داخلها ويظهره في تعابير منوعة ، مركزا أيضا على العلاقة الجدلية والبحث عن الآخرإلى جانب لذة النص.  

من جهته تطرق الناقد المغربي سعيد يقطين وهو ضيف شرف الدورة الجديدة إلى اشكالية "الجسد الكتابة ، الذات في السرد العربي " وتوقف عند مجموعة من الإستفهامات التي تتعلق بالجسد كمادة ملموسة وتباعيات توتراتها الفنية والسلوكية ورؤاها الفلسفية ومراحلها الحضارية كما قام بقراءة في مجموعة من الأطروحات المتعلقة بنفس الإشكال على غرار البعد الأيديولوجي وتجديد طلب احتلال الموقع وفق ضروريات اجتماعية وسياسية واقتصادية لدى العنصر النسوي.

بدورها قدمت الكاتبة هيام الفرشيشي وهي عضو منظم  لجلسات "بيت الشعر"  بتونس العاصمة مداخلة متميزة فككت  مفهومي "القداسة والدناسة" للجسد من خلال كتابات نسائية ، كما تطرقت إلى تحليل النص النسوي وتعبيره عن السلطة الفكرية انطلاقا من الجسد ، في ذات السياق قدم الأستاذ أحمد بقار مداخلة حول " الإيحاء والدلالة في نماذج من الشعر الجزائري ومنها نبذة عن تاريخ القصيدة الشعرية الرومنسية  وتأثرها بالطبيعة كجسد محسوس.

وفي الجلسة العلمية الثالثة  التي ترأسها الأستاذ مصطفى بوقطف تناول الدكتور حمادي صمود مداخلة  بعنوان "من جسد النص إلى روح الكاتب" عدد من الإشكاليات تتعلق باللغة من حيث هي جسد لرؤية ما ورائها وفك الإرتباط بينها وبين قائلها مدرجا نظرية الفيلسوف جاك دريدا حول الصراع الفلسفي بين النص والنص الآخر مؤكدا في الأخير أن الجسد لغة منفصلة عن قائلها وأنه من  الوهم ان الإنسان تخضع له اللغة لتميزها بالكينونة والذات والتاريخ  .

في سياق ذي صلة عبرت الأستاذة نور الهدى باديس عن العلاقة بين "عشق الكتابة وعشق الجسد" مشيرة إلى العلاقة الحميمة بين اللغة والنص بوصفه اسقاطا للفكرة مركزة على بناءات الفكرة على غرار الرغبة في الكتابة وشهوة التعبير وملأ جسد البياض بجسد النص ، متسائلة عن ماهية النص المجسد إذا لم يوفر "الإضافة " كمعطى فكري جديد وكيفية تحول النص إلى جسد معشوق، وصفت المتدخلة الكتابة ب"رحلة الشوق" في ثنائية العشق والشهوة المتواصلة مؤكدة أن الكتابة سلوك ابداعي يكسر الأنظمة ولا يطاوعها.

القراءات الشعرية    

اجتمعت القراءات الشعرية على منصتي دار الثقافة باب بحر والمقهى الثقافي دار المدينة الذي تديره الفنانة ألفة اصيلة صفاقس القديمة حيث تطل من خلف سور يعود تاريخه إلى عصر الأغالبة بتونس على الشوارع والبنايات الجديدة أين يتخذ الأهالي أزقة المكان متنفسا للتجارة التقليدية الرائجة في المدن العتيقة  للمغرب العربي الكبيروتعد تجربة المقهى الثقافي تقليدا جميلا بين مثقفي المدينة حيث يتسامرون على الحكي وروي الأحجيات وتداول الحديث عن القضايا الثقافية عابرة روائح الشاي وعطور الشيشة المكان ،وتفاعلا مع التظاهرة نظمت جلسة شعرية صباحية للقراءات الشعرية للمشاركين من تونس والدول العربية على غرار الجزائر والمغرب ، حيث قرأت الشاعرة بشرى عبد المومني المغتربة بألمانيا نصوصا عن الحب والوطن جسدت بقوة حضورا أنثويا ، حيث تملك الكاتبة بدورها صالونا ثقافيا يجمع المغتربين في المهجر بعد أن ذاع صيته في الأرجاء.

كما قرأ الشاعر زين العابدين اليساري والشاعرة آمال الرحماوي من المغرب نصوصا معاصرة الإنشغال وتداول على المنصة الشعراء  يوسف الطويل و خيرة قريشي من الجزائر ومراد العمدوني ومنير علي كامل وجيهان بن العربي وسامية عمار بوعتور ومحمد المكور وغيرهم من تونس ، وعلى منصة دار الثقافة باب بحر افتتحت الشاعرة سلوى بن رحومة  من تونس القراءات الشعرية إلى جانب الشعراء أمين دمق وصابر بن عالية ومحمد بن جماعة وآمال كعنيش والحبيب الحاجي وعلي البهلول ومعز الحامدي لتختتم بقراءة مميزة للشاعرالتونسي الكبير منصف المزغني .

السهرات الموسيقية

واكبت السهرات الموسيقية ملتقى الأقلام الواعدة وتقاربت مع الشعر في حضورها وأناقتها ومعطياتها الحضارية من خلال القصائد المغناة وعازفي الآلات الموسيقية وفنانيها الذين أمتعوا ضيوف الدورة العاشرة باصواتهم وأغانيهم الشجية على غرار فرقة البحث الموسيقي من قابس بقيادة الفنان نبراس شمام الذي أبدع في إعادة تلحين وغناء قصائد عربية بعد أن أخرجها من الأرشيف ،والفنان نصر علي بوراوي الذي داعب قيتاره وأمتع الحاضرين بوصلات أندلسية ومالوفية مميزة ، من جهة أخرى قدم نادي الرقص التابع لدار الثقافة باب بحر وصلات غنائية راقصة بقيادة الفنان المبدع طارق بوزيد.

تكريمات وشهادات     

   كرمت الدورة العاشرة وجوها ثقافية وشهدت عشية الإفتتاح تكريم الناقد المغربي سعيد يقطين تقديرا لإسهاماته في مجال البحث والدراسات النقدية المعاصرة ، وقامت السيدة ربيعة لفقير رفقة رئيس الملتقى الشاعر أحمد الشايب بتسليمه ذرعا ثقافيا وشهادة تقدير وهدايا وقدم الأخير كلمة شكر جزاء تكريمه .

كما كرم الدكتور حمادي صمود من جامعة تونس وقام الأستاذ مبروك المعشاوي مدير إذاعة صفاقس ومدير مهرجان صفاقس الدولي بتقديم كلمة في حق الشخصية المكرمة مثيرا مجموعة من المواقف في تجربة وحياة حمادي صمود الذي يعد نسخة متفردة في البحث النقدي العربي .

من جهة أخرى كرم الملتقى قلما واعدا ويتمثل في الشاعر الشاب علي العرابي عضو نادي الشعر والقصة محمد البقلوطي وهو الشاعر التونسي الشاب المتوج بأكثر من 15 تتويجا محليا ودوليا .

واختتمت الدورة العاشرة بتكريم الفائزين بالجوائز الأولى في الشعر والقصة القصيرة ، وكرمت الوفود العربية المشاركة وأهدى الإعلامي مصباح قديري رئيس اتحاد الصحفيين الجزائريين هدايا رمزية لمنظمي الملتقى.

وقدم الشاعر أحمد الشايب كلمة الإختتام مرفوقا بطاقمه الذي ترأسته المندوبة الثقافية ربيعة الفقير ضاربين موعدا جديدا لجمهور الأدب في الدورة الحادية عشر.

يذكر أن الدورة العاشرة نظمت تحت الرعاية السامية لوزارة الشؤون الثقافية واشراف المندوبية الجهوية بصفاقس ومساهمة دار الثقافة باب بحر ونادي الشعر والقصة محمد البقلوطي بالتعاون مع تونس مدن الآداب والكتاب والجمعية الثقافية "محبات".