هكذا يَرْحَل المُبْدِعون

بقلم : الدكتور مخلوف عامر

يرحل الشاعر المُميَّز (عثمان لوصيف) كما رحل كثيرون غيره.إذْ كُنَّا قد افتقدنا منذ شهور الأستاذ الباحث (شريبط أحمد شريبط)الذي عانى مدة طويلة وقاوم المرض العضال بشجاعة نادرة ولم يكن لديْه من سلاح سوى مواصلة البحث حتى آخر رمق من حياته. والحقيقة التي أعرفها وأشهد بها، بشأن المرحوم (شريبط)،أنِّي كنت دائماً أجد (جمال فوغالي) منشغلاً بحاله حريصاً على دعْمه، فَلَهُ خالص الشكر والتقدير على موقفه النبيل.

فأمَّا (عثمان لوصيف)، هذا الإنسان الذي عاش في صمت بعيداً عن الأضواء مع أنَّه من أهمِّ الشعراء.فلم يكن يتكلَّم إلا شعراً ولم يجعل منه مطية لشهرة ولا لمال، لأنه أحب الشعر لذاته، وأدرك دلالة الحرف حين يراه مضيئاً يتلوَّن في ثنايا الكلمات والجمل فينتقل من ظاهر الكلمات إلى خباياها،لا يقنع بالسباحة على السطح فيغوص إلى الأعماق في لحظة تصوُّفية تختزل المسافة بيْن الوطن والذات، بيْن الذات والكلمات.

ولكن ها هو يرحل ككثير من الشعراء والمثقفين. لا يلتفت إليه القائمون على الثقافة إلا لتعزية عابرة. فأمَّا، أنْ يلتفتوا إلى وضْعِه الصحِّي وظروفه المادية الصعبة قبل الرحيل، فذلك ليس من اهتماماتهم أبداً.لأنَّ السياسة الرديئة الفاشلة قد جَنَت على كل ما هو فكري وثقافي في هذا البلَد،ولم يكن ينقصنا في هذا الزمن الخائب، إلا بناء أكبر مسجد في العالم بعقول أجنبية أو الزيادة في حصَّة الحُجَّاج أو فضائح الكوكايين.

ولا يمكن أنْ نتوهَّم بأنَّهم لا يعرفون، بل إنَّهم لا يريدون.ولا ينصاعون أذلاَّء صاغرين إلا لمن نصَّبوهم بيادق ينفِّذون ما به يُؤْمرون.

فهل نحزن لرحيل إنسان عاهد نفسه والشعر على أن يحيا نقيَّاً- وهو ما سيطالُنا جميعاً- أم نحزن لحال وطن يتآكل تدريجياً ولحال مثقفين وقعوا فريسة الطمع والوصولية فلم يعد لهم وطن.أمْ ننقم على أولئك الذين تنصَّلوا من أي التزام وتنكَّروا لأبسط القيم الأخلاقية؟؟؟

ما أكثر المثقفين الذين اغتيلوا أو هُجِّروا بالأمس القريب، وآخرين يكتبون ويتنزَّهون وهم بما لديْهم فرحون، لكنَّهم لا يفكِّرون لحظة في أنَّه لولا تضحيات الوطنيين الشرفاء ما كانوا ليعيشوا اليوم ولا ليكتبوا.

إن السؤال الذي سيبقى يطارد المرء في حياته قبل مماته هو : ماذا سيبقى منه للتاريخ؟

فالثقافة التي لا تنفع في حاضرها، أبداً لن تكون لها قيمة في مستقبلها.والعظماء عبر التاريخ ما حلَّقوا في رحاب الإنسانية إلا وقد تشبَّعوا بالروح المحلِّية نقاوة وتواضُعاً، ناهيكم عن مواقفهم الصلبة التي لا تُهادن ولا تُداهن.

فأمَّا نحن الذين لا نملك غير الكلمات، فليس لنا إلا أنْ نردِّد ببالغ الأسى:

((لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال)).