أحلام مستغانمي: «أمّك على حق»

في مطار لندن كان غسان في انتظاري، هو أحد أبنائي الذي يرافقني في معظم أسفاري، حتى إن شائعة اكتسحت مواقع الإنترنت قبل فترة، تعلن خبر زواجي من شاب خليجي ثري. الخبر كان استناداً إلى صورة لنا معاً في إيطاليا، في حديقة بيت جميل، أصبح فندقاً، وكنت أقيم فيه كضيفة لمهرجان شيكا السينمائي، وإذا به بيتي الزوجي الجديد!

إن كان البعض قد صدّق ذلك الخبر بسبب صورة، فكم من القصص ستُنسب لي يوماً، في زمن تمكّنك فيه التكنولوجيا من تركيب صور من تشاء مع أيّ ادعاء، غير مدركين الحقيقة التي يخفيها العشاق: إن الذين نحبهم نتحاشى أن نلتقط صوراً معهم، فنحن نتكتّم على من يقيمون في القلب، ونُشهر صور من يعبرون في عدسة التصوير.

ما يضحكني، هو أنني كثيراً ما سببتُ لغسان مواقف محرجة، أحدها قبل عقدين من الزمن، يوم كان طالباً في ثانوية الجمهور في بيروت، وكان معفى من امتحانات اللغة العربية، لكونه قادماً لتوه من فرنسا، ومستواه في اللغة العربية أدنى من المستوى التعليمي لصفه. لكنه فوجئ يوماً بالأستاذ يعتمد «ذاكرة الجسد» للتدريس، ويُعلن للطلبة أنه سيكون عليهم الإجابة خطياً عن بعض الأسئلة حول الرواية، وأن النقاط ستضاف لعلاماتهم في الامتحان. وأمام ذعر زميله لحجم الكتاب ولغته، باح له غسان بالسر الذي احتفظ به دائماً، ووعده أن يأتيه بالأجوبة جاهزة.. لأن الكاتبة ليست سوى أمّه!

وجاءني ابني غسان يوماً حاملاً ورقة عليها مجموعة أسئلة راجياً أن أجيب عنها لأساعد صديقه في الامتحان. أذكر أنني رحت لساعة أو أكثر أجتهد في الإجابة، رأفةً بالفتى وإرضاءً لابني. لكن غسان الذي شكرني وطار سعيداً ليزف الأجوبة لصديقه، عاد بعد أيام متذمراً «ماما لماذا فعلت بي هذا.. الأجوبة غير صحيحة، لقد كتب الأستاذ على ورقة صديقي أنت لم تفهم القصة، وهو الآن غاضب مني يعتقد أنني كذبت عليه وأن الكاتبة ليست أمي!». ولم أدرِ هل عليّ أن أقنع غسان بأنني اجتهدت ما استطعت لإنجاح صديقه؟ أم أثبت لصديقه أني من كتب الكتاب؟ أو أقصد الأستاذ وأعترف له بأنني من كتب الاثنين: الكِتاب والفرض!

بعد عقدٍ من الزمن، ها أنا أجد غسان في مواجهة قصة أخرى. فلقد طلبت منه صديقته الأجنبية نسخة من كتابي «نسيان كم» وما استطاع أن يرفض، فقد كان في مكتبته نسخ عدة أرسلتها دار النشر إلى عنوانه في لندن، عند صدورها مترجمة للإنجليزية بعنوان «ART OF FORGETING». ولعلمه بمحتوى الكتاب، تحاشى أن يخبرها أن الكاتبة ومن وضعت الشعار الموجود على ظهر الكتاب «أحبيه كما لم تحب امرأة وانسيه كما ينسى الرجال».. هي أمّه.

غير أن الفتاة ما كادت تنتهي من قراءة تعليماتي ووصفاتي لنسيان رجل، حتى راحت تبحث عن مؤلفة الكتاب في الإنترنت، فعثرت على صوري مع غسان، فهاتفته عاتبة ومتعجبة «لماذا لم تخبرني أن الكاتبة أمّك؟!».

غسان الذي اعتاد أن يكون من يُنهي أي علاقة تاركاً خلفه فتاة تتعذب، تخلت عنه لأول مرة صديقة. قال لي ضاحكاً لقد أخفيتُ كتابك من مكتبتي، تصوري بعد فترة وجيزة من قراءة صديقتي لكتابك افترقنا. أنهت العلاقة بكلمة واحدة: «أمّك على حق!».