الــــلاز بقلم منصف بوزفور (الجزء الأول)

"اللاز" تجربة إبداعية روائية رسمت بشكل واقعي معالم الثورة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي.
وأنت تقرأ الرواية تشعر فعلا أنها ليست رواية جمالية وإنما هي حمل من الوقائع العادية والأحداث التاريخية والصور الدرامية اجتزأها"الطاهر وطار" من السجل التاريخي لثورة التحرير ويجعلنا نميز بشكل جيد بين الواقعية وبين وهم الواقعية.

ولقد أشار تازفيتان تود رف في هذا إلى أن قضية العلاقة بين الأدب والوقائع الخارجة عن نطاق الأدب غالبا ما خلط، باسم الواقعية،بينها وبين قضية أخرى هي امتثال نص معين إلى معيار نصي خارج عنه،وهذا الامتثال يؤدي إلى وهم الواقعية ويجعلنا ننعت هذا النص أو ذاك بأنه محتمل.

وفي رواية"اللاز"لن تشعر أبدا أن وقائعها محتملة "فاللاز" ذاته نموذج لكثير من لشباب الجزائري إباف الثورة وقبلها فهو ليس نموذجا مسيخا وإنما نموذج للشخص وللمعاناة وللإجهاد و الفقر والتشرد وإذا كان العمل الأدبي مصنوع من كلمات،كما يقول اليوم دون تردد أي ناقد يسعى إلى التعرف على قيمة اللغة في الأدب،إلا أن العمل الأدبي، وهو في ذلك لا يختلف عن أي ملفوظ لساني، ليس مصنوعا من كلمات بل هو مصنوع من جمل ، وهذه الجمل تنتسب إلي سجلات مختلفة من سجلات الكلام.

وتوجد مقولة بديهية جدا تسمح لنا بتمييز سجل ما، هي طبيعته التي نسميها في الاستعمال اليومي "بالملموسة" و"المجردة" ففي طرف من طرفي هذه المجموعة الاتصالية توجد الجمل التي يحيل الفاعل فيها إلى كائن مفرد مادي ومنفصل وفي الطرف الأخر توجد الخواطر"العامة" التي تعلن عن "الحقيقة" الخارجة عن كل إحالة مكانية أو زمانية.

وبين هذين الطرفين ثمة ما لانهاية له من الحالات الوسط طبقا لما يكون عليه الموضوع المثار من درجة التجريد.

وسجلات الكلام في رواية "اللاز" هي لوحات تنتظم فيما بينها بعلامات اتصال تقتنمها من سريانية الملفوظات في كلام يثير إلى الملموس عادة.

وحين تتعامل هذه الملفوظات مع المجرد،يدركه القارئ عادة في الاشكالات الحميمة كتساؤل زيدان عما تمثل"تيريز دي كيرو" في قصة"فرنسوا مورياك" هل تمثل الشعب الفرنسي أم البرجوازية الفرنسية؟.

وكتساؤل القبطان الإسباني، هل"لمن تقرع الأجراس" لارنست همنغواي بكاء تقدمي صادق؟ ولم يسخر"همنغواي من بابلونيرودا؟.

بقية اللوحات تترجم بصدق خافي واقع حال مر به الشعب الجزائري.

ويذكر المؤلف ان القصة بدأ التفكير فيها في شهر سبتمبر سنة 1958 بعد الإعلان عن التشكيلة الأولى للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وشرع في كتابتها في شهر ماي سنة 1965بعد تراكم الخلافات والمشاكل داخل صفوف جبهة التحرير الوطني، وبعد الشروع في وضع أسس لإنجازات متعددة اقتصادية واجتماعية واستغرقت كتابة هذه القمة سبع سنوات حيث انتهى منها سنة 1972

ويقول أنه ليس مؤرخا ولايعني أبدا انه اقدم على عمل يمت بصلة كبيرة إلى التاريخ لكن بعض أحداثه المروية وقعت أو وقع ما يشبهها.

ونحن لا نقصد تصفح التاريخ في وقائع رواية،ولكننا نشير إلى لحمة الواقع و الواقعية في قمة اللاز حيث ينجذب القارئ بالأسلوب الذي عودنا عليه وطار وطرقه السردية النموذجية.

ونلاحظ ان اللوحة الأولى من القصة هي مقدمة للخاتمة.

فبعد الاستقلال هؤلاء المجاهدون كعادتهم، كلما تجمعوا في الصف الطويل، أما مكتب المنح، لا يتحدثون إلا عن شهدائهم.

وكأنها فرصة لتذكرهم بهؤلاء الشهداء، ويظهر الشيخ الربيعي والد الشهيد "قدور"ورفيق"اللاز"أيام الكفاح.

ثم يظهر"اللاز"وهو يردد" ما يبقي في الوادي غير أحجاره"

هذا الشعار كان كلمة اتصال بين شباب الجهاد في تلك القرية التي ضمت تلك الرموز والأشخاص التي تواصلت في ذلك المجال الردي المبدع: قصة اللاز.

ومنهم ولاشك شخص اللاز الذي تدور حوله أحداث القصة ومنها الربيعي وابنة"قدور"

وزيدان "الأحمر"واخوه"حمو"و"مريانة"و"زينب" وبعطوش وخالته "حيزية"والكبران"رمضان"وغيرهم من أشخاص الرواية.

ولقد كان ترديد اللاز لهذه الرواية "ما يبقي في الوادي غير أحجاره" يحمل معان ثلاث المعنى

الأول ككلمة اتصال بين المجاهدين

موقف من الواقع الذي كان سائدا أيام الاستعمار

صيحة "اللاز" في رعب عندما انفجرت الدماء من قفا أبيه بعد أن ذبح من طرف جماعة الشيخ مع الفرنسيين الأربعة والقبطان الإسباني.

وفي اللوحة الثانية ينطلق الطاهر وطار إلى نسج خيوط القصة ،إذ تظهر القرية كما خلفها الرومان، تتأمل الجبال، في كآبة ما تزال ، والظلال تتطاول كلما انحنت الشمس إجهادا ووهنا الطريق الرئيسي ملأته عربات الجيش، عائدة مغبرة دكناء، من ميادين العمليات

يظهر"اللاز" تقوده دورية.. ولقد أدرك الشيخ الربيعي هذا حين كان أمام باب متجره، وتمنى أن تكون هذه الضربة القاضية على"اللاز" حتى تستريح القرية منه

ويقدم الصورة عن النشأة الأولى للاز.. لقيطا.. لا تتذكر حتى أمه"مريانة" من هو أبوه

برز إلى الحياة يحمل كل الشرور،فقط اشتط في حياته واعتدى وصارع فهو مكابر، معاند،وقح معنت، لا ينهزم في معركة، ونمت فيه شرور، لم تكن لتتوقع من السطو على المتاجر ليلا، إلى الخمر إلى الحشيش حتى بلغ معدل دخوله السجن مرة في الشهر، وكان الشامبيط هو الذي يسجل ويعاقب بالجلد ويطلق هذا الشامبيط الأكثر خدمة للجيش الفرنسي كغيره.

وصادق"اللاز" العسكر و الضابط نفسه.وراجت حول هذه العلاقة أقاويل كامتهان"اللاز" للقوادة وهو بواسطة أمه يتصل ببعض العاهرات ، ويمهد لهن سبل الاتصال بالضابط.

وهناك من يرى أن اللاز يعمل في مخابرات الضابط يحصي حركات الناس، ويتقصى أخبار الثورة

لكن هناك من يدافعون عنه بنوع من الدفاع المحتشم"فالثورة"، لو رأت من اللاز خيانة، لأعدمته مثل غيره ورغم كل هذه الأقاويل، لا يستطيع أحد نسيه خيانة معينة واحدة"لللاز"والحقيقة أن علاقة اللاز بالعسكر كانت لتهريب الجنود الجزائريين إلى الجبل، وعلاقته بالضابط هي بسبب خنوثة هذا الضابط.

وحين عرف قدور بما أل إليه اللاز رمى بمفاتيح الدكان وودع حبيبته زينة وانطلق مسرعا لمغادرة القرية.

ولقد كانت اللوحات المتساوقة قصة متونها الأشخاص والأحداث،إنها رسم لمعالم الثورة وهي تستمر إذ لم يعد لقدور "وحمو"مكانا للسهر في القرية تحت الكوخ قرب مسكن زينة

ولم يعد لحمو حكايات عن أحبته الأخوات الثلاث"دايخة" و"مباركة"و"خوخة"بنات الحما مجي حيث يعمل..

ولقد كان من قبل يعملان على جمع الأموال للثورة وشراء الأدوية و الأغذية وحاجات الثوار ثم يقومان بتعبئتها إلى الجبال مع شلة من الشباب العامل

ولم يكن مفاجئا رحيل حمو وزيدان وبقية الشلة إلى الجبل وكان زيدان الأحمر هو سياسي الشلة وقائدها وهو رجل رحل إلي فرنسا إبان الحرب العالمية بعد أن فرقتهم تلك الحرب شيعا.

واللاز هو ولده، ومريانة هي ابنة عمه مريم، ولم يكن يعلم ذلك إلا بعد رجوعه إلى الجزائر.

وقد درس في الجامعة الشعبية في باريس الاقتصاد السياسي ورحل إلى موسكو مع زوجته الفرنسية ليتخصص أكثر في كل ما يمت بالشيوعية.

حين عاد إلى الجزائر كان من مؤسسي الحزب الشيوعي الجزائري ومن المقاومين الأوائل الذين رفعوا السلاح في وجه المستعمر

ويطرح الطاهر وطار قضية الشيوعية، وقضية الخلاف بينها وبين جماعات من الثوريين ربما يمثلهم ذلك الشيخ الذي طلب من زيدان أن يسلم ومن الشيوعيين الفرنسيين و الاسبان الدخول في الإسلام ثم ذبحهم لما رفضوا مطلبه.

كان زيدان يرى أنه إذا استقامت الانطلاقة هذه، فستكون عمالقة كالسوفيات، والصينيين، سنبقى وحدنا، لأننا الكثرة، وسنعمل حتى النهاية على محو ألامنا..

ويقول أن مسؤول كبيرا سأله هل مازال شيوعيا أحمر.. فأفهمه أن الشيوعية ليست رداء ينزع في الوقت الذي نشاء، وأنها عقيدة تقوم أول ما تقوم علي الاقتناع المدرك للحياة.

وما يهم إذا كان أحمر أو ابيض ما دام يحارب العدو كما يحاربه الناس، بل وأكثر.

ثم لا فرق.. أن نقاتل جنبا إلى جنب، ونتحمل نفس المشاق.. ننظر إلى العدو نظرة واحدة

ومع ذلك فإن زيدان يفرق بين الناس، وينظر إليهم نظرات مختلفة، ويعاملهم معاملات خاصة، ولكن لا يؤذي ولا يسيء لأحد، بل هو أكثر الناس اتقاء لجرح العواطف.

والناس عنده نوعان نوع يعرق من العمال ومن العاطلين ونوع يستفيد من العرق.. وما لم يتحطم النوع الثاني، فإن عرق الإنسانية يظل يسير هدرا ومصلحة كل نوع تتعارض مع مصلحة النوع الأخر، ولذا فهما عدوان لدودان.

 
المصدر:العالم السياسي الجزائرية تاريخ 13/11/96