الــــلاز بقلم منصف بوزفور (الجزء الثاني)


اللاز إذن هو مثال النوع الأول هذا النوع الذي يهضم الحقوق ويفرق بين الأبناء والأباء بل يفقد الواحد فيهم حتى أصالة اسمه.
ألم تكن "أم اللاز" مريانة هي في الحقيقة مريم ولا ندري سبب هذا التحول سوى أن مريانة اسم أجنبي مكروه واسم مريم أصيل لذا كان فرح اللاز شديدا حين علم أن أمه هي مريم لذا كان فرح اللاز شديدا حين علم أن أمه هي مريم و ليست مريانة ابنة عم زيدان والده فهو لم يعد لقيطا وابن زنى.
بل هو جزائري من بداياته، قبل أن يعلم بكل هذا فعمله مع فرق المقاومة في تهريب الجنود الجزائريين من الثكنة كان ممتدا من اصالته ذاتها.
وحين اقتيد إلى الثكنة بعد أن اكتشفه الجندي بعطوش وأخبر عنه العسكر وعذب إلى درجة فقد فيها الأمل على عدم الاعتراف و الأخبار بحقيقة.
كانت الأمور تمر في يسر وسهولة.. القي عليه القبض.. وتلقى لكلمات وصفعات وضربات بمؤخرات البنادق ومر على حانوت الربيعي وانذر قدور ورجاه أن يهرب ليعترف بعمله معه ويدلى باسمه قبل يتعرض للعذاب الأليم.. وكالطفل الصغير، فكر في القاء تبعة المسؤولية على عاتق غيره على الشامبيط الخائن.. وطلب من القبطان أن يسقيه خمرا وكحول، في انتظار الاعتراف وحين سمع اسم قدور يلفظ أمامه أحنى رأسه كالعذراء الآثمة.
وتهيأت فرصة التهريب من طرف الكبران رمضان وثلاث جنود جزائريين واتصل بزيدان والمجاهدين ورحل معه حين دعي زيدان من طرف مسؤول .
وهاهو"سي مسعود" حين يتصل به يبدي البرود والاشمئزاز.
ويقدم إلى مركب الشيخ مع الفرنسيين الأربعة و الإسباني القبطان سانتوز ولقد كان الشيخ يسأل زيدان عن الحال في المنطقة.
ويرى زيدان العمل يسير على احسن ما يرام كمائن،هجومات اشتباكات ذبح، اغتيال غنم متواصل الشعب في يدنا.
ويرد الشيخ لا اعني ذلك لكن فيما يتعلق بالخلافات.
ويعلمهم أن القرار اتخذ في شأنهم بالنسبة لزيدان لابد من تبرئة من العقيدة وانسلاخه من الحزب واعلان انضمامه إلى الجبهة.. وبالنسبة للأوروبيين التبرؤ أيضا والدخول في الإسلام.
وإذا لم يستجيبوا لهذه الطلبات فمآلهم الذبح.
ويعلق الإسباني – الذبح للخونة وللمضادين للثورة أما نحن.. فبأي عنوان نذبح.
ويرد المزارع الفرنسي نحن متطوعون جئنا نعينكم، إذا لم أن تساومونا في حياتنا وعقائدنا.
ويمهل زيدان والأوروبيين فرصة لاتخاذ القرار
وفي اليوم الموالي، يطالبون أن يحاكموا كأعضاء في الثورة وليس كا جانب عنها ويحاول أن يقرأ اللائحة.
ويشير الشيخ انهم لم يغيروا موقفهم وان عليه أن يطبق قرار القاهرة وطرح الواحد تلوى الأخر للذبح.
ويردد نشيد الأممية في مطلع منه انهضوا معذبي الأرض
هبوا أيها المحكوم عليكم بالجوع فالحق يدمدم في فوهات براكينه إنها حمم النهاية..
ويأمر الشيخ هاتوا ابنه يجب أن يتعود حمل الأعباء الكبيرة منذ الآن أن تجند بالإخلاص فسيزيد هذا أيمانا وعزيمة.
وظل اللاز مشدوها لا يصدق عينيه، وعندما انفجرت الدماء من قف أبيه صاح في رعب ما يبقى في الوادي غير أحجاره.
ثم ارتخت كل عضلاته، ودارت به الأرض ومد يده يحاول التشبث بشيء ما ثم هوى ولقد بقي هذا العبء بعد الاستقلال.. وكان اللاز يردد دائما- ما يبقى في الوادي غير أحجاره.
ونلاحظ أن هذه المحاكمة قد وردت في الرواية وكأنها اللغز الأساسي في الرواية ككل فهي تحمل معنى انطباعيا قد تشكل في قالب اتهام.
ونحن نعلم أن الانطباعيين يريدون تثبيت التقاء الأثر بدائيتهم فكلمة انطباع تعني بدقة هذا اللقاء الأتي والساذج بين النص والقارئ والتبذل الذي ينتج عن ذلك في نفس القارئ..
وهو نقد يعدو نظريا إلى المفهوم البسيط والنقي لردود فعل الناقد الفرنسي "جيل لوميتر" يرى: أن النقد منهجيا كان أم لا، ومهما كانت ادعاءاته لا يتواصل إلا إلى تعريف الانطباع الذي يحدثه فينا في زمن اثر فني فيه دون الكاتب نفسه الانطباع الذي تلقاه من العالم ساعة ما.
ونحن حين نتابع الروائي الجزائري الكبير "الطاهر وطار" في اثر هذه المحاكمة وانطباعها الذي تحدثه في صلب الرواية يدفعنا إلى الاستنتاج إلى أن هناك مصداقية فنية ونقدية ما دفعت هذا الروائي إلى أن يتمم الثورة في شخص" زيدان"الشيوعي والثوري وفي أشخاص الأجانب الذين ساندوا الثورة ولم تنصفهم خلافات مسؤولين.. هؤلاء الذين قرروا في "القاهرة" تصفية الحزب الشيوعي الجزائري وتصفية مناضليه حتى في بين فرق المجاهدين في الجبال.
ويظهر الطابع الكرزماتي للمسؤول في شخصية الشيخ وموكبه الوقور،وقراره المفحم لكل قرار،حتى ان عريضة زيدان والجماعة الشيوعية لم تكن ذات بال بالنسبة إليه.
والأثر الفني يعني أولا أن الأثر هو حدث محتمل إنتاج الإنسان التاريخي والنفسي والاجتماعي.
ثانيا: هذا الحدث يجب أن يتلقى من النقد تفسيرا
ثالثا: الحكم النقدي لا يمكن أن يكون إلا حكما موضوعيا
ولقد كان" فيلمان"villemaine))يقدس الموضوعية فالناقد يجب أن يحكم بالطابع ولكن بعدم التحيز تام يجب أن يكون شأنه شأن التاريخ بعيدا عن كل هوى، ومصلحة وحزب يجب أن يحكم على المواهب اكثر من حكمه على الآراء العامة ويجب أن يتقدم النقد غير المتحيز على الرأي العام.
ولا ندري أن كان حكم"الطاهر وطار" على تصفية الثورة للشيوعيين العاملين في الثورة ذاتها أو هو حكم ذاتي فيه هوى ومصلحة حزبية؟
أن تصفية زيدان والشيوعيين من طرف مسؤولي الثورة يحمل انطباعا عاما بان الثورة أن كانت لها أخطاء فان أخطاءها هي أخطاء مسؤوليها الكارزماتيين.
لكن من جهة أخرى، لم يكن للثورة، أن تكون ثورة حقيقية إذا لم توحد ساحتها النضالية والجهادية وان تصفيتها للشيوعيين لم تقدم به الثورة نفسها، وانما قام به التاريخ قبل ذلك حين حلت جميع الاحزاب ومهد الطريق لقيام الجبهة.
ولم قتل زيدان وذبح الشيوعيين الأوروبيون حين قرروا أن لا يرتدوا عن عقائدهم وأحزابهم اليس هناك حل أخر غير هذه التصفية؟
هذه هي التبعة الكبرى التي لا يمكن إغفالها والتي دفعت الطاهر وطار إلى كتابة"اللاز" في وقته كانت هناك توجهات شيوعية يعيشها الشباب الجزائري بعد الاستقلال.
فالموقع التاريخي هو الذي فرض كل هذا.
وهكذا فالأثر-اللاز- هو مشكلة لا يظهر حلها إلا بتحليل الأوساط والبلد والحضارة والوضع فلتوضيح اثر يجب أن نتذكر أولا أن مهمة الأدب لا تقتصر فقط على نقل تقاليد المجتمع وانما تتعلق أيضا ببعض حوادث هذا المجتمع.
 المصدر: العالم السياسي الجزائرية 14/11/96