الروائي ارزقي ديداني لنوافذ ثقافية: بدأت كتابة رواية مستوحى موضوعها من إبادة قبيلة أولاد رياح

كان هذا اللقاء مع الكاتب في ذهني مدة طويلة، من زمن بداياتي ككاتب ومهتم بالشأن الثقافي. وها هي أخيرا الفرصة تجئ عفويا. فالكاتب أرزقي ديداني تعرض لأزمة صحية كبيرة وقد أخذ في هذه الأيام يباشر نشاطه الذي زاوله من السبعينيات من القرن المنصرم. وهنا، كانت معه هذه الدردشة الثقافية احتفاءً بشفائه واحتفاءً برجوعه لنشاط الكتابة. هو كاتب عصامي متعدد الاهتمامات. له من الأعمال المطبوعة القصص القصيرة: طائر المدينة، ليل الذئاب، عودة النورس الضال. ومن الشعر: أصوات تعلو الجبال مجموعة شبه كاملة تضم دواوين ثلاث. ومن المسرح: بروميثيوس. ومن الرواية: زمن الاباطرة، الاجتثاث. ومن المقالات: الكتابة وسط الحياة. والملاحظ بأن له الكثير من المخطوطات: في السينما والرواية والقصص القصيرة والقصيرة جدا. وفي الرواية القصيرة. وفي النقد الأدبي.

دون مقدمات كيف كانت البداية؟

نستطيع القول البداية هي القصة القصيرة. التي جربت كتابتها في السبعينيات. وبقيت مدة طويلة أمينا لهذا الجنس التعبيري الجميل. ولم أنشر قصصي إلا بعد عقد كامل. أي بتاريخ 1979 بالضبط كان الشهر هو ماي. وبعد مدة أخذت أمارس النقد السينمائي ونشرت أول مقالاتي بجريدة النصر. فها أنت ترى بأن القصة والفلم هما بداياتي.

وماذا عن المؤثرات والمرجعيات التي جعلتك تكتب؟

رائع هذا السؤال؛ المؤثر الأول هو القرآن الكريم في الناحية اللغوية. والصحافة. في سن الخامسة تقريبا وبسانية أحمد اللازام بمنطقة سيدي أحمد ببنزرت عرفت الكتّاب وكان لي جار يكبرني يدرس بالكتّاب هو من سهر على الأخذ بيدي. كان الزمن على ما أذكر خريف 1954. والمؤثر الثاني هو الصحافة ففي مدينة منزل بورقيبة ( فيري فيل سابقا زمن الحماية التي هي فيالحقيقة استعمار) حيث وبسبب الثورة التحريرية كانت الجريدة في ذلك الزمن 1958 هي الوسيلة المثلى للاطلاع على الأحداث. الجريدة هي الصباح. والمؤثر الثالث والأساسي هو مكتب جبهة التحرير. به عرفت الوطنية وعرفت بأنني جزائري وبلاده تصارع استعمارا غاشما. ولكن المرجعية الأساس هو الواقع. لماذا أقول الواقع؟ ذلك لأني لم أكتب إلا بعد أن تجاوزت العشرين. كانت الكتابة ليست من اهتماماتي بتونس رغم أن زميل لي هو جلول الطبرقي كتب الشعر ( انتحر بعد أن انتمى للتيارات الدينية وكان ذلك بتاريخ 1997 ). كانت السينما هي التي أعتبرها الفن الجدير باهتمامي. ولكن، لما انتقلت لوطن الأجداد وبسبب تغيرات سيسيولوجية وأيضا وجودية بعامة قررت الكتابة. أذكر بأني قلت لصديق زمنها ومباشرة "- سأكتب". إذن، حياتي وحياة عائلتي وحياة الجزائريين في بلد غير الجزائر وإن كنا مواطنين، وذلك التمزق الوجودي هناك بمسقط رأسي ثم استمرار هذا التمزق هنا بالجزائر مع اختلاف وجودي، كل ذلك له الأثر الكبير في وصولي لممارسة الكتابة ( الفن اللعين!). المرجعية الثقافية هو تأثير القرآن الكريم والصحافة. ثم بعد ذلك الكتاب الثقافي إبداعي وفني وسياسي وفكري وفلسفي وتاريخي ونقدي إلى آخره. فمرجعيتي الثقافية وهذا من السبعينيات متعددة. إذن، لحبيب شيخ روحو كان عموده اليومي لا يفوتني مثل الآن لا يفوتني عمود العزيز سعد بوعقبة. ارتسامات بجريدة الصباح للحبيب شيخ روحو مقال عرفني بمدلول الوطنية وبعظمة ثورة بلادي التي لا أعرفها هذا زمن الثورة التحريرية. ومرة أخرى الواقع ثم الواقع؛ فأنا عملت بالمزارع وعملت قبلا بالتجارة زمن الصبا. أي حياة الكادحين هي مرجعيتي. الشغيلة لم أعرفها من الماركسية بل من واقع حياتي.

عرفناك قاصا وشاعرا وناقدا فنيا ( سينمائي ) وانتقلت للرواية ما هي الأسباب؟

صحيح ذلك، القصة القصيرة هي الجنس الذي مارسته لمدة طويلة وما أزال أمارسه. وقد كان انتقالي لجنس الرواية غير عفوي. ذلك لأن قراءاتي في الرواية لها حصة الأسد كما يقولون. نجيب محفوظ مثلا لازمني طويلا حتى عرفت إبداع أرنست هيمنقواي. ثم الحياة والتجربة والتراكم الثقافي هو من دفعني دون إرادة لكتابة الرواية. وكان ذلك في 1999 بالضبط. وكانت رواية زمن الأباطرة والحمد لله لم تبق كمخطوط حيث طبعت. إذن، لم يكن الانتقال كموضة بل كاقتناع.

علاقتك بالمؤسسات والجمعيات الثقافية؟

هي علاقة على التماس. كمدرب كرة القدم بالنسبة للملعب. أكتب وأنتج وأناقش وأعيش الهم الثقافي ولكن بعيدا عن أي انتماء لأي مؤسسة أو جمعية. هنا لا أقصد الانتماء كمنخرط أو كمهتم بل كمنشغل. الانشغال الوحيد هو الكتابة وأما ماعدا ذلك فلا يهمني أبدا.

كيف يواجه الكاتب العصامي المشكلات والوضعيات في المشهد الثقافي؟

الإجابة: الكاتب العصامي مثل الثائر لا يحمي ظهره أي قوة. هو ينحت مصيره بأظافره. وكل مشكلة أتصدى لها كما يتصدى لها أي كاتب عصامي وما أكثرهم في بلادي الشاسعة كما قارة بالعزيمة والمُجاهَدة وبالعمل ثم العمل .... أصارع لطبع أعمالي. ولا ألتفت لأزمات اتحاد الكتاب أو غيره. ولا أغرق في تفاهات المشهد مبتعدا عن مواضع الاختلال وما أكثرها للأسف. ذلك، لأن المشهد الثقافي يا أخي توفيق ليس رديئا فقط بل غير موجود كمشهد له كينونة وبالتالي هوية.

 حسب تجربتك الشخصية ما يميز العلاقة الثقافية بين المشهد الثقافي التونسي والجزائري؟

بتونس هناك تقاليد، أقصد وجود الذائقة، وإن كان المشهد الثقافي به تواضع في بعض الأماكن كالإبداع والصعوبة في التوزيع وإيصال المنتوج، وننوه هنا نحن نشترك مع تونس في هذه الوضعية صعوبات الطبع والتوزيع. ولكن هناك المسرح نشط.في الجزائر هناك كتاب لاسيما زمنالثورة التحريرية وزمنبناء الدولة الوطنية كأمثلة: مولود فرعون ، كاتب ياسين وغيرهما وفي بداية الاستقلال: الطاهروطار بن هدوقة. المسرح الجزائري مسرح كبير: عبد القادر علولة، مجوبي، قطاف وكاتب ياسين ولكن المرحلة الظلامية فتت كل شيء. وأيضا هناك سينما نوعية. هناك بتونس الذائقة لها تاريخ وتجانس، وهنا بالجزائرالذائقة غير متجانسة...عربية، فرنسة ولا تلاحم. بينما هناك لا يوجد مثل هذا الاشكال العويص. أقول لك طُرفة ففي خريف 1969 لما استقريت بينكم أي ببلاد أجدادي عرفت العيارة التالية " معربون ومفرنسون" صدقني لم أفهم المدلول حتى استمعت لشروحات وشروحات. ثم هناك التعاون فعبد الحميد بن هدوقة كانيمارس المسرح بالإذاعة هناكزمن الثورة. وهناك الاتصال الثقافي وهوموجود ولكنه متواضع. وإن كان على المستوى الفردي له بعض المزايا مثلا: ومن بداية الثمانينيات، والمصيبة للآن، كان هناك شبه غياب كموضوع المجلات حيث المثقف والكاتب الشاب محروم تقريبا. وفي أول فرصة وبسبب هذه الوضعية لما كنت مراسلا لمجلة الاتحاف واقترح عليّ الإخوة هناك بهيئة التحرير ورقة على الأدب والإبداع الجزائري كملف. مباشرة التفت للفئة الشابة وأنجزت ملفا على حسب المقدرة لمبدعين شباب. وأنت كنت واحدا منهم.

المررت بظرف صحي صعب جدا كيف كانت يومياتك وكيف واجهت الصعوبات؟

الإجابة: الحق أسجل بأن عناية العائلة لاسيما الشاعرة سامية بن عسو والإخوة بإدارة الثقافة وعلى رأسهم صافي عادل الرائع وغانم خميسي وتوفيق بوقرة، أخي الشاعر ديداني رضا مسؤول بيت الشعر مكتب الطارف وغيرهم، جعلوا من يومياتي لحظات ليس بها أي صعوبة. ثم الصبر والشجاعة التي هي مطلوبة في مثل هكذا حالات. ثم وثم سكان منطقة عين علام الذين أحييهم تحية كبيرة وكبيرة لما لقيته منهم من مؤازرة معنوية فهم عن حق أبناء حيي الذي جسدته في رواية الغبار وقد نشر الكثير منها بجريدة الشعب رمضان 2016.

اوماذا عن فترة النقاهة ككاتب؟

بدأت بمطالعة لا يتعدى زمنها الربع ساعة ثم النصف ثم ساعة هذا كمثال. وأخذت أدون ولأول مرة يومياتي ابتداءً من يوم العملية الجراحية الأولى: 19 – 7 - 2018.هذا الجنس في السيرة الذاتية لم أمارسه قبلا. وأنجزت مداخلة تدور حول سي محند أو محند تحت عنوان: السائر فوق السحاب الموضوعة: هو دحض المهمة الحضارية التي عمل الاستعمار على تجسيدها. وأخيرا ومن أسبوع فقط بدأت كتابة رواية مستوحى موضوعها كتيمة أساسية من إبادة قبيلة أولاد رياح الحادثة هي محرقة الظهرة. ثم التأمل والمطالعة قدر المستطاع وترقب مقابلة فريق برشلونة فأنا برشلوني متعصب. ولكنني أمازيغي من أصل قبائلي وغير متعصب.وأخيرا، شكرا على الالتفاتة.

المصدر: حوار أجراه الكاتب: توفيق بوقرة