اليونسكو تحيي أسبوع الصوت.. غدا الاثنين

تحيي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة " اليونسكو" غدا الاثنين، أسبوع الصوت 2019 تحت شعار " الصوت هو العنصر الهيكلي للتخطيط الحضري"، حيث يسهم الصوت في السلوك الفردي والجماعي، ويساعد على تشكيل العلاقات بين الأشخاص، وأصبحت البيئة الصوتية موضوعا مقلقا ومركزيا لخبراء التخطيط الحضري في ظل تزايد أعداد السكان واكتظاظهم في المدن.

كانت الجمعية العامة لليونسكو قد اعتمدت في دورتها الـ 39 في عام 2017، إعلان الاحتفال بأسبوع الصوت في الفترة من 21 – 27 يناير من كل عام.

وجاء ذلك الإعلان تأكيدا على أهمية الصوت للأفراد من كل الأعمار وعلاقة ذلك بالأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والطبية والصناعية والثقافية. فهو يساهم في السلوك الفردي والجماعي ، مما يساعد على تشكيل العلاقات التي نشكلها مع الآخرين.

ونظراً لمجموعتها المتنوعة من الاختصاصات، فإن اليونسكو هي المؤسسة الأفضل لمعالجة القضايا ذات الصلة بالصوت، وبالتحديد تلك المتعلقة بالبيئة السليمة؛ الصحة؛ تكنولوجيا التسجيل الصوتي والاستنساخ والصيانة. العلاقة بين الصورة والصوت. والتعبير الموسيقي والسليم.

وكجزء من التزام المنظمة ببناء مجتمعات مستدامة، ترفع اليونسكو الوعي لأفضل الممارسات المتعلقة بالصوت في جميع مجالات الحياة بين الدول الأعضاء لتعزيز قدرتنا على التعايش السلمي.

وكان قد تم إطلاق أسبوع الصوت لأول مرة في عام 2004 بفرنسا، وهي حملة لرفع الوعي بالقضايا الاجتماعية المتعلقة بالصوت من خلال مجموعة متنوعة من الأحداث والمؤتمرات والمنتديات.

ويتألف الأسبوع من خمسة مواضيع فرعية تتناول الأسئلة المتعلقة بالبيئة الصوتية والصحة وتسجيل الصوت والإنجاب والحفظ والعلاقة بين الصورة والصوت والتعبير الموسيقي والصوتي.

مفهوم الصوت: لقد حاول العلماء المعنيون بدراسة اللغة تحديد ما يعنيه "الصوت" فوضعوا تعريفات لهذا المصطلح تباينت بين قديمهم وحديثهم.

ومن بين القدماء ابن سينا الذي عرف الصوت، بأنه "تموج الهواء ودفعه بقوة وسرعة من أي سبب كان".

أما المحدثين فمنهم إبراهيم أنيس الذي عرف الصوت بأنه "ظاهرة طبيعية ندرك أثرها دون أن ندرك كنهها".

وقال موضحا لهذا التعريف أن الصوت مسموع وكل صوت مسموع يستلزم ما يلي :

1. جسم يهتز رغم أن تلك الاهتزازات لا تدرك في بعض الأحيان بالعين المجردة.

2. وسط غازي أو سائل أو صلبي تنتقل فيه الذبذبات الصوتية الحاصلة من اهتزاز الجسم حتى تصل إلى الأذن الإنسانسة.

أما حدوث الصوت : فهو عبارة عن الاهتزازات التي تصدر عنها الذبذبات الصوتية يمكن أن تحدث إما عند التقاء الشيئين أو عند ابتعادهما. صدر الاهتزاز من التقاء الشيئين مثلا عند إغلاق الباب وصدر من ابتعاد الشيئين مثلا عند فتح الباب.

ورغم أن الذبذبات الصوتية لا يمكن إدراكها بصريا إلا أنها يمكن إدراكها سمعيا وذلك من خلال الوسائل المتقدم ذكرها.

الحيوانات البحرية على سبيل المثال يمكن أن تتواصل فيما بينها لأن الذبذبات الصوتية تنتقل بوساطة الماء (الوسط السائل). وكذلك سماعنا أنواع الأصوات عن بعد فذلك يحدث لآن الذبذبات الصوتية تنتقل بوساطة الهواء (الوسط الغازي). أو الاتصال بيننا هاتفيا الذي يحدث لأن الذبذبات الصوتية يمكن أن تنتقل من خلال السلك (الوسط الصلبي).

ويحدث الصوت عند الإنسان من الذبذبات التي تصدر من الحنجرة. وذلك يبدأ باندفاع الهواء أو النفس من الرئتين ثم يمر بالحنجرة التي فيها وتران صوتيان فالتقاء هذين الوترين الصوتيين يحدث الاهتزازات التي تخرج من الفم أو الأنف، ثم تنتقل خلال الهواء الخارجي على شكل الموجات الصوتية مبتعدة عن الجسم المهتز حتى تصل إلى أذني السامع.

وتختلف شدة الصوت من شخص لآخر خاصة بين النساء والرجال وبين الأطفال والكبار حيث أن صوت النساء أحد من صوت الرجال وصوت الأطفال أحد من صوت الكبار. ذلك لأن الوترين الصوتيين عند الأطفال والنساء أقصر وأصغر من الكبار والرجال مما يؤدي إلى زيادة في سرعتهما وعدد ذبذباتهما في الثانية.

وكلما كان الوتران الصوتيان قصيرين وصغيرين كلما كان اهتزازهما سريعا وذبذباتهما كثيرة. والطفل عندما يصل البلوغ يزداد وترانه طولا وضخامة، مما يجعل صوته عميقا أقرب إلى الرجال منه إلى النساء. كما يختلف الصوت جمالا من شخص لآخر فصوت المطرب والقارئ على سبيل المثال أجمل من غيرهما.

ويؤكد العلماء أن هذا الاختلاف ليس بسبب الاختلاف في الحنجرة (الوتران الصوتيان) كمصدر الصوت إذ أن حنجرة المطرب والقارئ لا تختلف عن غيرهما من الناحية التشريحية. إنما السبب في جمال صوتهما الموهبة التي اختصا بها وهي القدرة على السيطرة على الهواء المندفع من الرئتين وتكييفه وإخضاعه لنظام خاص حتى يخرج من الفم أو الأنف، ولا يقدر على مثل هذه السيطرة والإخضاع إلا قليل من الناس.

أما عن تعريف التلوث الصوتي أو الضوضاء البيئية على أنها أصوات مزعجة ومشوشة، تنتج من الآلات الميكانيكية، أو أحياناً من الأشخاص الآخرين، وتؤدي إلى تأثير سلبي على الإنتاجية البشرية، وعلى راحة الأعصاب والسعادة الإنسانية.

وتعتبر وسائل المواصلات هي المصدر الأهم للضوضاء الصوتية، وخصوصاً الضوضاء الصادرة عن السيارات، بالإضافة إلى الضوضاء الصادرة عن حركة إقلاع وهبوط الطائرات، أو الناتجة عن السكك الحديدية. وينتج أيضاً التلوث الصوتي من المصانع، ومواقع البناء والتشييد، والمعدات المكتبية، وأجهزة الترفيه السمعية مثل الراديو والستيريو والتلفزيون.

ويمكن لسوء التخطيط العمراني أو الحضري أن يزيد من وقع التلوث الصوتي على السكان، من خلال التقارب الجغرافي بين المناطق السكنية والمناطق الصناعية. وتنتج عن التلوث الصوتي، وبغض النظر عن مصدره، آثار بيئية سلبية، ومشاكل صحية مزمنة.

فعلى الصعيد البيئي، يؤدي التلوث الصوتي إلى خفض المساحة التي يمكن للحيوانات البرية الحياة فيها بشكل طبيعي، وهو ما يحمل أهمية خاصة عندما تكون تلك الحيوانات معرضة أساساً للانقراض بسبب انخفاض المساحة المتاحة لها للحياة، نتيجة التوسع العمراني والزراعي في المناطق الطبيعية.

وعلى الرغم من أن قضية الانقراض قضية أخرى، إلا أنه يكفي أن نشير هنا إلى أن انقراض الأنواع الحية يؤدي بالتبعية إلى انخفاض التنوع البيولوجي في البيئات الطبيعية، وربما يؤدي إلى انهيار نظم بيئية بأكملها. وربما كان أفضل مثال على هذه العلاقة بين التلوث الصوتي والبيئات الطبيعية، هو نفوق أعداد كبيرة من بعض أنواع الحيتان بعد جنوحها للشواطئ، نتيجة التلوث الصوتي الذي يحدث في بيئتها الطبيعية من جراء استخدام أجهزة "السونار" الكاشفة عن الغواصات من قبل القوات البحرية في مختلف دول العالم.

وعن التأثيرات السلبية للتلوث الصوتي علي الإنسان، فقد أصبحت تحتل أهمية متزايدة ضمن علوم الصحة البيئية، والتي تعنى بدراسة العلاقة بين صحة الإنسان والعوامل البيئية التي يعيش فيها. ومن ضمن قائمة التأثيرات الصحية السلبية للتلوث الصوتي، نذكر: ضعف السمع، وارتفاع ضغط الدم ، وأمراض شرايين القلب التاجية، والتوتر العصبي، واضطرابات النوم، بالإضافة إلى ضعف القدرة على التعلم في الأطفال وانخفاض مستوى تحصيلهم الأكاديمي.

وحتى أمراض جهاز المناعة، ومعدلات العيوب الخلقية، يرى البعض أن التلوث الصوتي مسؤول عن بعضها، وإن كانت الأدلة لا زالت غير قاطعة في هذا المجال. وإذا ما خصصنا بالحديث ارتفاع ضغط الدم، فسنجد أنه قد وصل حالياً إلى درجة الوباء العالمي.

ففي نهاية الصيف الماضي، حذرت افتتاحية مجلة ذا لانسيت واحدة من أشهر الدوريات الطبية في العالم ، من أن أسلوب الحياة الحديثة غير الصحي، سيرفع عدد المصابين بارتفاع ضغط الدم، إلى أكثر من مليار ونصف المليار نسمة بحلول عام 2025. وهو ما يعني زيادة بأكثر من نصف مليار شخص عن العدد الحالي للمصابين.

وبالنظر إلى هذا العدد الهائل من المصابين حالياً، وبالأخذ في الاعتبار أن ارتفاع ضغط الدم يعتبر أحد عوامل الخطر المهمة خلف أمراض الشرايين ، يمكننا أن ندرك إلى حد ما سبب التربع الحالي لأمراض الشرايين على عرش قائمة أسباب الوفيات البشرية.

وهذا التتابع الثلاثي، ارتفاع ضغط الدم، الذي يؤدي بالتبعية إلى أمراض الشرايين، التي قد تنتهي بالوفاة المبكرة، ربما يكون أحد أسبابه التلوث الصوتي الذي أصبحنا نعاني منه جميعاً.

ولا تقتصر آثار التلوث الصوتي على الجوانب البدنية للصحة فقط بل تمتد أيضاً إلى الجوانب السلوكية والنفسية والإدراكية. فالمعروف، وبدون الحاجة إلى دراسات علمية، أن زيادة الضوضاء تؤدي إلى ارتفاع مستوى التوتر، وزيادة معدلات الحوادث أثناء العمل بسبب فقدان التركيز، بالإضافة إلى زيادة الميول العدوانية والسلوك غير الاجتماعي للأشخاص القاطنين لأماكن مزدحمة ضوضائية.

وعلى المستوى الإدراكي، أظهرت دراسة صدرت عن مدرسة الملكة ماري للطب ببريطانيا (Queen Mary’s School of Medicine)، أن الضوضاء وخصوصا تلك التي تنتج عن إقلاع وهبوط الطائرات، تؤدي إلى ضعف التحصيل العلمي لدى الأطفال، وبالتحديد على صعيد قدرتهم على القراءة وعلى اجتياز اختبارات الذاكرة.

وأمام هذه الآثار مجتمعة، تحاول بعض الدول الاعتماد على التكنولوجيا في حل مشكلة التلوث الصوتي في مدنها وعلى طرقاتها، مثل تحليل مصادر ومسارات الضوضاء بالاعتماد على أجهزة كمبيوتر فائقة القدرة، أو من خلال تغيير مسار الطائرات قبل بلوغها المطارات، أو تطوير تصميم محركات وإطارات السيارات، وغيرها من الأفكار والحلول.

ولكن كما هو واضح، ومسموع بشكل كبير، لا زالت هذه الأفكار عاجزة عن منحنا القدر الكافي من الهدوء الذي نحتاجه جميعاً لغرض سلامتنا الصحية والنفسية والعقلية.