الكاتب وأسس التموقع ( الجزائر مثالا )- بقلم: ارزقي ديداني

توطئة لا بد منها؛ أين يتحتم تعريف مكان ومكانة وجود الكاتب والمثقف إجمالا كصفة وبالتالي كهوية ثقافية وتحديدا إبداعية وفي أي مجال من مجالات الإبداع. ليكون لنا القدرة ليس على الفرز، ذلك لأن أمرها آخر، ولكن لإعطاء مساحة للرؤية جلية وواضحة تعتمد على ما يعطيه إبداع الكاتب والمثقف عموما، المعبر على هويته ليس كتعريف بل كوضعية اجتماعية وظاهرة تاريخية أي كتموقع وليس كناطق. ذلك لأن المبدع يكتسب هويته من انتمائه سواء للوسط في محدداته: اجتماعي، سياسي، ثقافي. وهذا، من المسرح المناضل زمن الحركة الوطنية ومرحلة الثورة التحريرية إلى ما قدمه المسرح من إضاءات في المرحلة السوداء/ الحمراء أين ذهب ضحية لهذا النضال من أجل الانعتاق من الظلامية عبد القادر علولة وعز الدين مجوبي وفي الثقافة الثرية فكرا الصديق الرائع بختي بن عودة ويوسف سبتي. ثم في الاعلام الكثير والكثير. حتى أن الأمثلة تصدمنا أي عن الذين دفعوا الثمن وباهضا...هؤلاء ليسوا من الهامش فقط، بل هم يمتازون بصفة الهامشي أي بعيدين عن الانتماءات التحزبية وأيضا ليسوا رسميين أي مثقفين موظفين لدى السلطة. وهنا القصد ليس الوظيفة كوظيفة بل الوظيفة كفعل انتمائي على مستوى الرؤى والأفكار ومنه السلوكيات بالمجمل. إذن؛ مثقف الهامش ليس هو المهمش الذي يماثل الانعزال، كلا هوية الهامشي تتصف بكامل الاستقلالية وتتحكم في اختيارها وتفعّل اختياراتها في كل مجالات الثقافة والابداع. ومنه تعريف الكاتب الهامشي ملغز فهو مثقف وهو فاعل في المشهد وهو في غالب الأحيان مبدع جيد. ولكن لا يعترف بالمرة بالمؤسسات ومهما كانت وظيفتها أسرة كيان إداري جمعية أهلية كما اتحادات الكتاب مثلا. وأيضا هو لا ينتمي حتى لجماعة ثقافية ما تدعي نمطا فكريا أو اتجاها أدبيا. الخلاصة الصرف هو حر. إذن هو صاحب هوية ليست زئبقية بل فوضوية وبامتياز. فوضاه جذابة ولا يبدع إلا وسطها ومن خلال مناخاتها أيضا. كل ثبمات إبداعه من الوسط وسطه كما يحبه ويهواه. هو غير اتكالي أي كما الثائر يعتمد على نفسه وكل أدواته غير مؤدلجة ولا تحوز على أبهات كما الألقاب الجامعية أو الحزبية حتى. أو بالأحرى لا تهمه. هو أدواته ينحتها من الواقع واقعه الهامشي. فزمن الاستعمار مثلا كان الكتاب الأصليون أي أبناء الوطن الذي وقع عليه جرم الاغتصاب الكولنيالي لا سند لهم سوى الإرادة وعنادهم وجبروت صمودهم. مولود فرعون يسجل في يوميات بلاد القبائل تلك المعاناة هو موظف وضد العنف ويؤمن بالحرية لأنها مصادرة من فرنسا. أي فرعون مولود موظف غير مستلب واعٍ بمأزقه الوجودي كمثقف لا يملك حريته؛ مصادرة.  وحتى جان سيناك ومانويل روبلس وغيرهم من الأمثلة. ولكن الرائع هو كاتب يسين أين نجده عن حق يتوفر على صفات الكاتب الهامشي... مستواه التعليمي بسيط. لا منتمي؛ فقط للجزائر؛ لهوية يبحث عنها ويسجل نبضاتها من خلال كبلوت. فنجمة هي الأنشودة التي تؤسس لهوية لا منتمي وتعطي البعد الإبداعي لتاريخه وبالتالي تاريخ كبلوت ومنه في المجمل التاريخ الجزائري. هو مناضل، عامل بسيط، ، مسرحي كتابة وإخراجا. ثم، نجمة تلك الرواية التي تؤسس لهوية نضال وتاريخ وأسطورة أمة هي الجزائر. وثم، سلوكياته التي لا تعترف بالسائد ورؤاه المختلفة بل والصادمة. ذلك هو مبدع الهامش أي اللاّمنتمي إلا إلى هواه الفكري والفني والإبداعي. وقبله بزمن كان سي محند أو محند (رحمه الله) أجمل ما يؤسس لهذه الصفة : مبدع الهامش وشاعر الهامش بامتياز. والده اغتالته فرنسا. أملاكه افتكتها فرنسا. هويته حاصرتها فرنسا. جعلت من أهله بشرا في المرتبة الثانية. ولكنه قفز فوق كل ذلك وأبدع شعرا لا يضاهى باللغة الأمازيغية اللغة الشعبية لأنها لغة شعبه الجزائري. هذا الغجري الأخير كما سماه أحد النقاد جعل المهمة الحضارية تفقد بريقها وتضمحل مراميها لأنه كتب بلغة الشعب وليس لغة الغاصب. لغة القلب النابض المتمرد الثائر. وللآن ما يزال كوخه أين توفاه الأجل وحيدا وعلى الهامش شاهدا في إحدى زوايا بلادنا وبالضبط بالمنطقة الأمازيغية تحديدا القبائل. إذن، رجال المسرح الأوائل زمن الحركة الوطنية والثورة التحريرية كانوا يناضلون دون سند وأوصلوا للشعب الذي ينتمون إليه رسائل فنهم فأيقظوا النيام وأبدعوا أيضا بل وكانوا الرواد للمسرح الجزائري الذي ازدهر بعدهم على يد مجوبي وبن قطاف وكاتب مصطفى وعلولة وغيرهم. ثم، نجد شابا تفتقت موهبته في الكتابة بتونس وهو الطاهر وطار أين يوجد هناك أشهر كاتب من الهامشيين وهو علي الدعاجي وجميع جماعة تحت السور الذائعة الصيت وعلى رأسهم المبدع الصحفي الهادي العبيدي الذي وجه الطالب المبعد ورعاه، سنده هامشي لأن البلاد التي جاء منها حريتها مصادرة، صحبة لحبيب شيخ روحو مؤسس جريدة الصباح التي كان لها الفضل الكبير في الإعلام زمن الثورة التحريرية. ولد هذا الصحفي والمبدع الرائع المناصر للقضية الجزائرية كما كان يطلق عليها زمنها في 9 جويلية 1914 وتوفي في 27 جانفي من عام 92. هي جماعة اكتسبت اسمها من مقهى بالقرب من حي باب سويقة الشعبي بعاصمة تونس جمعهم الهم الإبداعي رغم اختلاف مشاربهم في هذا المجال، ولكن صفتهم من الهامش أي ليسوا من الأغنياء وضد الحماية ( الاستعمار) وغير متحزبين إلا للإبداع. الطاهر وطار كان بعيدا عن الجزائر وأبدع في الهامش وبلغة عربية والسائد لدى المبدعين الجزائريين هي اللغة الفرنسية. مع استثناء المسرح والشعر الشعبي الذي أبدع فيه سي محند أو محند. نحن، نرى ونلحظ بأن الوضع الاستعماري خلق وأنتج إبداع الهامش سواء باللغة العربية أو باللغات الشعبية لأنه على حسب وجهة نظري بالجزائر لغة شعبية متعددة حسب الأماكن. هذا زمن الحركة الوطنية والثورة. ذلك الزخم لم يخلقه المبدع المنتمي لسلطة طبقية ثرية أو سياسية أو حتى عشائرية بل أبدعه أناس شبه تائهين من جراء الاستعمار. وقد يكون أيضا لأسباب أخرى كالوسط المتواضع الذي انحدروا منه الذي جعل منهم مبدعين ومثقفين هامشيين. في مراحل الاستقلال أي زمن الدولة الوطنية الأمر يختلف وجذريا. حتي يصعب رؤية ملامح الكاتب الهامشي ولأسباب عديدة. منها على الأخص التوجه المركزي للنظام ككل حيث ضيّق من مناخات الابتكار وبالتالي انحصر الإبداع ووجود المبدع المختلف. زد على الاستقطاب بين جبهتين أو بالأحرى إلى طائفتين – معربة – مفرنسة. أذكر شبه طرفة حيث لما حللت ببلاد الأجداد في أواخر عقد الستينيات من القرن المنصرم تفاجأت من هذا التصنيف بل ولم أفهم منه شيئا حتى استمعت لشروحات واكتوت كمثقف عمالي بهذه البدعة مفرنس معرب! أقول المبدع رزح تحت جبروت الأيديولوجي لمدة ليست بالقصيرة فانتفى الكاتب اللاّمنتمي وصار الكل منتميا أي ملتزم بالتوجه وهنا السياسي. أذكر بأنني بعثت بقصة قصيرة فرد علي المحرر الأدبي لجريدة النصر ما مفاده بأنني لم أقدم حلا تربويا. وطبعا رفضت. هنا، المبدع والمثقف إجمالا نجده نمطيا وبامتياز فلا تعد تعرف أي ملامح مختلفة... فقط، إلا السينما والمسرح ابتعدا قليلا ونجيا من هذا المصير فتجد مسرحا سيما الهاوي به المختلف. وبالأساس مسرح كاتب يسين. والسينما التي برز بها مخرج شاب هو مرزاق علواش بفلمه المختلف " عمر قاتلتو الرجلة " فلم كسر منطق الالتزام وأفرد للأهواء الذاتية بالبروز في قصة لشاب من الهامش يعطي الانطباع بأنه حالم أو مهوس بتطلعات تبرز من زوايا الأزقة والأحياء العتيقة، أي ابن الحي الشعبي. الذي يعلن في عفوية منقطعة النظير هامشيته بالمدلول الإنساني من خلال السلوك والتصرفات. وثم ،،، هل الخامس من شهر أكتوبر ( 1988 ) العظيم. فانعتق المشهد. وصار له ملامح وسيمات غير نمطية. فتعجب الجميع. صار النقد علنا. وصارت الفكرة حرة من إسارها أي من الأيديولوجي. هنا المشهد تعدد ولكن الفوضى السياسية أقبرت كل هذا الحراك الإعلامي والثقافي أين عبر كاتب الأقاليم عن حضوره اللافت وبذلك ومن خلال انتفاضة أكتوبر صار للهامش الدور الذي يعتد به. حيث ظهر كتاب وغيرهم من المبدعين في مختلف المجالات يمتحون من الواقع المعيش وليس المتخيل كما كتاب البلاط وأصحاب النزعة التجارية الذين صاروا كتابا بفضل جمعيات نشر يمتلكونها أو يسيرونها. وهذا النمط الأخير انضاف للكتاب الرسمي أي الكاتب الموظف كمبدع يخدم أجندة القوة في أي مكان وفي أي مجال من السياسي إلى المقاولاتي. هنا، الكاتب الهامشي الذي معظمه ينتمي للجزائر العميقة وجد نفسه بفعل قوة الأشياء يناضل على جبهتين لا رحمة لها متمثلة في المثقف المنتمي للسلطة ( أي سلطة) وواقعه المعيشي الصعب. حيث أعرف كتابا وغير كتاب ليس لهم أي مطبوع وهم شيوخ. وبالمقابل تسلق المبدع الانتهازي وتقريبا احتل المشهد. وبذلك ضاع التوجه السليم للثقافة ووجدنا الثقافي لا وزن له بالمرة حيث ضعف كثيرا الصوت الناقد الذي يؤسس لذائقة جديدة حرة التوجه وديمقراطية التعبير. هذا، كما كان زمن الحركة الوطنية والثرة التحريرية. ولكن؛ يوجد رغم قتامة الصورة من يناضل وبأدوات بسيطة لكن بإرادة لخلق المناخ الجدي وهو الآن ليس ببعيد عن الحراك العفوي للامة الجزائرية مؤخرا، لأنه منها أي من شريحة العامة وليس النخبة وهنا القصد النخبة الثقافية المتسلقة لكل الواجهات. مثقف الهامش لا يكتفي بمناصرة الوعي العفوي الذي أبهر الجميع بل هو الوسيط بين الشعب وبين الفكر أو بالأحرى الموصل لكل ذبذبات الراهن لأنه - أي مبدع الهامش- ليس له ما يملك سوى كرامته الأدبية التي هي منحوتة من واقعه ومن مكوّنه ومن شريحته التي لا تعرف إلا صوت الحق. تلك الشرائح التي نجدها في كل مكان وهي كادحة. هنا؛ الهامش صار بفضل المبدع المنتمي إليه فاعلا رغم انه غير مرئي ولكن من خلال تأثيره المتواضع، أقول المتواضع لأسباب يطول شرحها، كان فاعلا وخالقا للوعي وإن بطريقة غير مباشرة أي من خلال انتاجه وفي جميع المشارب مشهديه تشكيلية أدبية وحتى أكاديمية وفكرية. هذه الهوية التي عليها المبدع والمثقف الهامشي هي الهوية التي كان عليها الرسام العظيم محمد إسياخم والشاعر الرائع سي محند أومنحد والكاتب الكبير – بمواقفه – مالك حداد وكاتب يسين وصفية كتو وعبد الله بوخالفة وبختي بتن عودة ويوسف سبتي وغيرهم من الأمثلة الساطعة التي لها تأثير في الوعي الجماعي وفي بلورة النمط الحر والنقدي للثقافة. أي اننا نجد بأن المثقف اللاّمنتمي ( مثقف الهامش) غير غائب والجميل بأنه غير منفصل عن الوعي الجمعي للجماهير بل ومندغم شديد الاندغام في وسطع الطبيعي أي الشعب. عكس المثقف النخبوي الذي لا تتركه مصالحه ينسجم بل وتجعله سلبيا وشبه غائب وهذا ما يلاحظه الجميع وتلك هي طبيعة الأشياء.

عين اعلام  28 فيفري 2019