رغم النقد المستمر له:مسلسل "ولاد الحلال" طرح جريئ لحقائق مجتمعية صادمة

ان المتتبع  لمسلسل "ولاد الحلال" للمخرج نصر الدين السهيلي  الذي لا يزال عرضه مثيرا للجدل حيث تعرض الى نقذ لاذع  و اتهمه البغض بتشويه صورة مدينة وهران و سكانها و تقديم صورة نمطية مغلوطة عن هذه المدينة التي طالما جعلتها بعض المهرجانات الفنية و الاعمال رمزا و مرادفا للانحلال الخلقي و الملاهي الليلية ، ان كان ذلك التشويه  صحيحا الى حد ما  في بعض الأعمال التلفزيونية و السكاتشات هذا لا يعني ان كل الافلام شوهت صورة وهران او الوهرانيين

بعيدا عن ذلك النقد الذي قدمه جمهور ليس مختصا في السينما بل مجرد متابع يقيم الامور من منظور سطحي او عاطفي في احيان كثيرة ، و من هنا تغيب العقلانية و النقد  الجاد لأي عمل ، لان نقد اي عمل يكون بالمشاهدة و الملاحظة و قراءة الرسائل التي يحملها كل مشهد من المشاهد و تحليلها بمنطقية بعيدا عن تلك العاطفة الجياشة التي تعتبر هدرا للمجهود و بعدا عن النقد الجدي

يمكن للمشاهد ان يكون ناقدا جيدا لاي عمل تلفزيوني لو تحلى بالحكمة و بالبعد عن العاطفة و قراءة الصورة و المشهد بحياد تام

مسلسل" ولاد الحلال" رغم كللاتهامات التي ألصقت به قدم صورة واقعية  و مصغرة لظواهر مجتمعية نعيشها و نتعايش معها ، فهي واقع لا يمكن انكاره ، كما نقل صورة الأحياء الشعبية العتيقة و اختار حي الدرب ليكون مسرحا لتلك الأحداث الشعبية ، حي الدرب او اي حي شعبي آخر في اي مدينة من مدن العالم و ليس بلادنا فحسب يتعايش فيه الفقر مع الشهامة  و مع أخلاق التكافل بين الجيران ، يحمل كل تلك المتنافضات التي تتعايش في "جسم" الحي ذاته ، فهناك يتعايش السارق مع السكير مع المتدين ، فيمكنك ان تجد كل تلك النماذج البشرية في كل تلك الأحياء ، كما يتعايش الخير مع الشر في هذا العالم

ففي كل مجتمع هناك الطالح و الصالح رغم تباين طريقهما الا انهما ينتميان للمجتمع ذاته و الوطن ذاته ايضا و تحت سماء واحدة ، نحن لا نعيش في الجنة  هذا ما لا يريد ان يقر به هؤلاء الذين ينتقدون مسلسل "ولاد الحلال" رغم انه  انطلق من واقع اجتماعي معيش  و متعايش معه ، نحن لسنا ملائكة  ، و المخرج  الذي لا ينقل واقع مجتمعه و البيئة التي يعيش فيها للمشاهد فهو مخرج فاشل بكل المقاييسن فليس من الابداع أن ينقل مخرج ما صورا "سحرية " او خيالية و التعامل من منطلق "الايتوبيا " المستحيلة الوجود في أرض الواقع بل قد لا تكون موجودة حتى في الأحلام

ما لم يرد فهمه المتقدين لمسلسل "ولاد الحلال " ان هذا الاخير نقل حقيقة  الاحياء الشعبية في وهران، ففيها الجيد و فيها السيئ ، وفيها  ايضا النخوة و الشهامة، اي  "الرجلة والنيف" كما نقول بالعامية و فيها العنف ايضا  و مع ذلك لكن تبقى قلوب الناس على بعضها وطيبة.

أعتقد أن هذا المسلسل يختصر قضية وطن وتحولاته المجتمعية بكل تجلياتها،و بكل ايجابياتها ايضا ، كما طرح مخرجه بذكاء مواضيع ذات صلة عشناها كمجتمع بكل مرارة، الا وهي ظاهرة اختطاف الاطفال ، الطلاق ، العنف الزوجي ، تخلي الآباء عن أبناءهم ، البطالة و المخدرات و الآفات الاجتماعية و قضايا أخلاقية  أخرى تنخر مجتمعنا و هذه حقيقة  لا يجب انكارها  لانها الحقيقة فما المانع من وضع الاصبع على الجرح و نقل الحقيقة و كشفها للناس ، اين الجرم في ذلك ؟؟

لقد ألفنا أن نحب  نرتاح لصور اعمال تلفزيونية  تنقل حياة الأثرياء في قصورهم الفخمة و سياراتهم آخر طراز و قصصا لا تمت بصلة للواقع الا في بعض الجزئيات البسيطة لاننا أضحينا سذج في تفكيرنا  كجمهور و نبحث عن تلك القصص الجاهزة التي يتم تفصيلها على المقاس ، على مقاس عقولنا الطامحة لمعانقة الأحلام الوردية  فقط بغرض الهروب من واقع مرير يحاصرنا نحاول الافلات منه و عدم التفكير فيه لتلك اللحظات و هو ذاته ما فعلته المسلسلات التركية و الميكسيكية و المصرية ايضا و هو سبب نجاحها  و اقبال الجمهور عليها  لانها توفر " نسيانا" ظرفيا  للهروب من المنغصات  اليومية لا غير.

لقد ابدع المخرج نصر الدين السهيلي في مسلسل " اولاد الحلال " و اخرج المشاهد من القصور الفارهة الى عمق الأحياء الشعبية حيث الفقر ، اليأس ، البؤس و الفرح أيضا ، و حيث التكافل الاجتماعي و بساطة الحياة و قدسية العشرة و الجيرة  بنكهة الوفاء و الاخلاص ، نقل أصوات تلك القلوب النابضة نقاءا و صفاءا رغم ضنك العيش، نقل صورة الجزائري البسيط ، ربما هناك مآخذ على بعض الأمور البسيطة كقصة المرأة التي تبيع مع بناتها " الكارانتيتا" و واقعيا لا يوجد سيدات تبعن الكارانتيتا في وهران ، و لا الماكياج و هذا لا ينفي تواجد نساء تبعن المجوهرات و الملابس  في الأسواق لكسب لقمة العيش الحلال ، و اضن أن الرسالة وراء ذلك المشهد هو تحية وجهها المخرج لكل امراة جار عليها الزمن و قررت أن تخرج لتكسب قوت يومها بشرف !!.

و حتى ان كانت بعض المشاهد تنقل شيئا لا وجود له في الواقع فاءنه يمكن التغاضي عليها لان الهفوات كانت من نصيب مخرجين كبار و قامات سينمائية صالت و جالت في كبريات المهرجانات و حصدت اكبر  الجوائز

لقد الفنا ان ننتقذ بشكل سلبي كل ما ينتج محليا و الافلام الجزائرية لم تشد عن القاعدة ، رغم انه ما يقدم لنا من مسلسلات تركية و كورية لا علاقة لها بمجتمعنا و لا بواقعنا هي اعمال اقل ما يقال عنها تافهة و فارغة  و تنقل قصصا عاطفية  و مشاهد عن المافيا و العنف و القتل و التي مع ذلك تلقى كل ترحاب و قبول لدى جمهورنا العريض ان حصد مسلسل ولاد الحلال كل هذا النقد يعني انه نجح و هو في الطريق الصحيح و مؤشر لميلاد اعمال تلفزيونية و مسلسلات وطنية تحمل نفس جرأة الطرح و نقل صادق لحقائق دون تزييف او مكيجة !.

 بالاضافة الى كل ما تم ذكره فاءن المخرج لم يبالغ في الدراما و لم يسرف في الفرح و استطاع أن يخلق ذلك التوازن بين الامرين بذكاء  و جعل مساحة للمتتبع ان ينخرط في تفاصيل الاحداث بشكل لا شعوري و هو سبب كافي يجعل المتابع لهذا العمل الانتظار بصبر و حماس لصيرورة الاحداث عبر الحلقات المتتالية لهذا العمل ، فعنصر التشويق له دور في تزيين الحبكة لاحداث اي عمل سينمائي .

المصدر:نوافذ ثقافية-بوخلاط نادية