الروائية اللبنانية مريم مشتاوي في حوار حصري لنوافذ ثقافية: "الكتابة تمنحني عمراً آخر وزمناً مختلفاً عن الزمن الواقعي"

نزلت الروائية اللبنانية مريم مشتاوي ضيفة على فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب حيث وقعت اليوم روايتها الأخيرة " جسور الحب، غرينفيل تاور"  ، كما تحدثت أيضا عن مسارها الأدبي من خلال مداخلتها "صورتي الأخرى"، حيث ستطرح إشكالية مهمة من خلال الكتابة التي لا تشبه صاحبها.

و مريم مشتاوي من الوجوه الأدبية اللبنانية العربية التي قدمت أدبا روائيا راقيا حيث  أصدرت العديد من الأعمال الأدبية الهامة التي تركت بصمة عند القارئ العربي ،فمريم وجه من نور تكتب باللون القاتم، تُسمد الحزن بدمعها وتقطفه رزم حب، تُسقط القارئ في فخين، فخ الفقدان وفخ التلاقي مع الحياة سلاما لا استسلاما، تواجهنا وفطرتنا بالحب، امرأة تتحدى الصعاب بأنوثة مرنة لا تفكر في من يلغي نصفها في المجتمع، صوتها الداخلي يوازي صمتها الظاهري، تستثني الجمال من الحطام وترفعه قصيدة، ومقال، وفصول رواية ، حول حضورها المتميز و نقاط أخرى كان لنا معها هذا اللقاء .

  • كيف كانت الأجواء و أنت توقعين روايتك في معرض الشارقة ؟

وقعت اليوم بمعرض الشارقة الدولي للكتاب روايتي "جسور الحب ، غرينفيل تاور" الصادر عن دار المؤلف في بيروت في شهر أكتوبر 2018 ، وكانت الأجواء رائعة بحضور النخب الثقافية و خاصة القراء الذين سعدت بوجودهم، و رواية تدور أحداثها بين قسنطينة ولندن.. قصة فتاة جزائرية تركت بلدها بعد ظروف صعبة وقصة حب صاخبة وانتقلت إلى لندن لتشهد الحريق المروع في برج غرينفيل الذي ذهب ضحيته عشرات اللاجئين من المغرب العربي . ثم تتخذ قراراً بالعودة بعد صدمات كثيرة وشعورها بالغربة والوحدة وخيبة الأمل إلى موطنها الأصلي ... هذه روايتي الرابعة بعد رواية "عشق" و"ياقوت" و"تيريزا أكاديا.

  • كيف كان شعورك و أنت تقدمين روايتك هذه لأول مرة في الجزائر ؟
كنت سعيدة جدا بالتكريم و الحفاوة التي تلقيتها خلال المهرجان الوطني للشعر النسوي العام الماضي عندما قدمت روايتي  " جسور الحب ، غريتفيل تاور "  التي استوحيت أحداثها من جمال مدينة قسنطينة و جسورها الساحرة و كانت بطلتها من عبق هذا المكان .
لمن  تكتبين مريم  وما هي منابع الكتابة عندك؟

أكتب لأرحل، وفي رحلاتي أنتشي، فالكتابة تساعدني أن أعيش حالة من النشوة الروحية، فأنا أميل بطبيعتي إلى كل ما هو روحي لأني أشعر أنني به أرتفع فوق المادي.

  • ماذا تمنحك الكتابة ؟

الكتابة تمنحني عمراً آخر وزمناً مختلفاً عن الزمن الواقعي، كأني أعيش زمنين مختلفين في الوقت نفسه، حياتي الطبيعية حين أكون مع أسرتي وأصدقائي أو في عملي، وحياة أخرى أعيشها في روايتي مع شخصيات خيالية وأحداث خيالية رغم أن بعضها مستمد من الواقع الذي نعيشه،أبكي معها وأفرح معها، أصادقها وأحياناً كثيرة أتقمص دور الشخصية، فالكتابة ليست مجهوداً فكرياً فقط وإنما مجهودا عاطفيا وانفعاليا يستنزف كل طاقات الكاتب، فنعيش بين النصوص، خلف الكواليس، مواقف وجودية وعاطفية قد لا تنعكس بالضرورة على الورق وإنما تأخذنا نحن الكتاب إلى عوالم أخرى.

  • إلى جانب قلمك الروائي ، صدرت لك أعمال شعرية عدة من بينها: «حبيب لم يكن يوماً حبيبي»، «ذكريات في حلم»، «ممر وردي بين الحب والموت»، «هالوين الفراق الأبدي» وديوان «حين تبكي مريم». حدثينا عنها.

كتبت «حبيب لم يكن يوماً حبيبي» وأنا تلميذة في المدرسة الثانوية، و«ذكريات في حلم» وأنا طالبة في الجامعة الأميركية في بيروت. كانت القصيدة في البدايات محجوزة تدور حول الأنا، ثم شهدت ولادة ديوانيّ «ممر وردي بين الحب والموت» و«هالوين الفراق الأدبي» في مرحلة لاحقة وهي الأصعب في حياتي. كتبتهما وأنا قابعة في المستشفى بجانب ابني الصغير الذي كان يواجه الموت. عانيت تجربة المرض والسكن في غرفة صغيرة في مستشفى «غريت أورمند ستريت»، وأدى تأجج المشاعر إلى تدفق نثري أكثر منه شعري بسبب الحالة النفسية المتأزمة التي كانت تسيطر عليّ، فلم أستطع في «مِمر وردي بين الحب والموت» و«هالوين الفراق الأبدي» أن أتحكم بزمام اللحظة وأعبر عن الحالة بعيداً عن الانفعالات المفرطة… ولكن بعد رحيل ابني نضج الألم فجاء ما يسمى بالتكثيف الشعري في ديوان «حين تبكي مريم».

  • هل ثمة مناطق محظورة في شعرك وكتاباتك؟

تحمل القصيدة صوت صاحبها وصمته. قصائدي مسكونة بالماضي الذي يشاكس حاضري وميزانها قلبي. ولكن تركيبتي الشرقية وتربيتي تفرضان تابوهات معينة، وثمة خط أحمر لا أستطيع بالفطرة تجاوزه.

  • هل يجوز القول إن الشعر يعيش اليوم أزمة حقيقية؟

الشعر اليوم في غرفة الطوارئ يعاني تفشي مرض يدعى «ظلم قصيدة النص المفتوح والتعدي عليها»، فثمة استسهال كبير في الكتابة إذ يرى البعض أن الشعر هو مجرد تقطيع الأسطر إلى أبيات، ذلك في ظل غياب أية مرجعية ثقافية وانحسار دور النقد الذي يغربل الأعمال الصالحة والطالحة. عموماً، القصيدة ليست بقصيدة إن غابت عنها الموسيقى الداخلية والإحساس بالكلمة والصدق الفني وتكثيف المعاني.

  • باعتقادك ما الذي تفتقد إليه المرأة المبدعة في مجتمعاتنا؟

تفتقد المرأة المبدعة إلى الحرية التي هي أساس التطور الإنساني والثقافي، فالحرية وحدها تمنح جناحي طير، فمجتمعنا ذكوري بامتياز يحد من طموحات المرأة. ورغم الحرية التي وصلت إليها بعد صراعات طويلة الأمد ما زالت حرية غير مكتملة.

  • هل تشكل الجوائز الأدبية دليلاً على إبداعية المنتج الأدبي؟

تكرم الجوائز العربية الكتّاب وتعطيهم دفعة من الحماسة لكتابة المزيد، وطبعاً بحالة الفوز تمنح الكاتب شهرة واسعة محلياً وعالمياً من خلال ترجمة عمله إلى لغات عدة. ولكن لا يمكن القطع بأنها دليل على أهمية المنتج الأدبي، بل يتوقف الأمر على كفاءة اللجنة الحاكمة.

  • كيف ساهم صالونك الثقافي ذو الطابع الخيري في لندن في ربط خيوط الحضارتين الغربية والعربية ؟

الصالون الثقافي هو تجمع شهري لمثقفين وكتاب وشعراء عرب وأجانب من محبي الثقافة العربية ينظم فعاليات ثقافية متنوعة تهدف إلى مد الجسور بين الثقافتين العربية والبريطانية وتقديم صورة مشرقة عن الثقافة العربية في زمن شاعت فيه مفاهيم خاطئة عن العرب في بلدان الغرب. لحد الآن احتفى الصالون بقامات عربية كبيرة : مثل جبران خليل جبران ونزار قباني ونازك الملائكة وغيرهم كما أحيا ذكرى تفجير شارع المتنبي.

أسست الصالون الثقافي بعد موت ابني الصغير لدعم الجمعيات التي تعنى بمرض سرطان الأطفال.بدأت في لندن ثم توسعت النشاطات إلى بلدان عربية أخرى . فقمت بأمسيتين ثقافيتين لصالح مركز سرطان الأطفال في بيروت أما في تونس فكان لي أمسية شعرية لصالح مستشفى عزيزة عثمانة.

  • في الأخير ماذا تهدي القارئ العربي ؟

أهديه مقطع من رواتي " جسور الحب، غرينفيل تاور" 

".. من أجواء الرواية: أنا بايا، وها أنا ذا أجمع الآن أمتعتي ونبضاتي التي تبعثرت في مدينة حضنتني منذ الطفولة. كان المطر يتساقط بحنان فوق عاصمة الشرق الجزائري نقطة نقطة تمامًا كما تتساقط أحلامي التي بنيتها فوق صخور المدينة... وكم هو موجع ذاك الحنان حين تترجمه الطبيعــة برقتهــا... لو سقطت الأمطار بشراسة مرة واحدة لكانت أخف حـدة علـى التحمـل... كـانت حبات المطر تغسل البيـوت القديـمة والكهـوف والمساجـد العريقـة وتولي اهتمامًا خاصًا بمسجد الأمير عبد القادر ربما بسبب علّوه، كنت دومًا أعتقد أن الله يكتب له آيات المحبة برذاذ المطر... وكذلك حي النحاسين فالله يحب هؤلاء الذين يعجنون يومهم بالعرق، والذين تتشقق أياديهم فينبعث منها الجمال. كانت الرياح تتأرجح مع الجسور كي تنفخ الحياة في صباح جديد يلتحف مدينة الصخر العتيق.. أجمع أغراضي وأنا أسمع صوت المدينة يعاتبني… يرجوني على التريث. فأنا أؤمن منذ صغري بأن الصخرة القديمة في مدينتي تتكلم تنبض بحنان.. لقد أخبرتني جدتي حين كنت صغيرة بأن تلك الصخرة القديمة تخشى الوحدة لذلك مدت جسورًا وعقدت يديها بصخرة أخرى.. أخبرتني أن هناك صخرتين تشابكت يومًا أصابعهما ببعضها البعض لترقص فوقهما أحلام المارة.. هذه هي مدينتي... مدينة قسنطينة أو قسمطينة.. مدينة الصخرتين الموصولتين بجسور معلقة بحكايات قديمة بخطوات أناس يحملون مشاعل الحرية والفكر والأمل.. مدينة التراث العتيق حين أمشي في زواريبها أدرك ضمنًا أن هناك حيوات أخرى قديمة تخفق تحتها.. مدينة مرت عليها الحضارات وتركت قبلاتها فوق الأبواب والشبابيك.. مازلت أذكر حين دخلت قصر الباي للمرة الأولى... شعرت يومها بأنني أميرة من الزمن العثماني وهذا قصري.. كاد خيالي يورطني بعشق أناس رحلوا وتركوا ذكرياتهم تحيط المكان وتستدرج الحاضر إليها.. منحتني اسمي جدتي رقية.. إنها الأمازيغية الأصيلة التي عرفتني على حضارتها وعلمتني عاداتها وتقاليدها، وأبت أن ترحل قبل أن تترك في داخلي الكثير منها. كانت جدتي تقوم بذبح "ديك رومي" على عتبة البيت اعتقادًا منها أنه يبعد الشرور وينده للخير. ومن بين العادات والتقاليد التي ورثتها عن جدتي أن أقول: صحة وراحة. حين أنتهي من العشاء كتعبير شكر على نعمة الطعام، وعلمتني كيف أطبخ طبق الكسكسي بالدجاح، وأقوم بتوزيع بعض منه على الجيران حتى وإن كانت الكمية التي طهوتها قليلة كتعبير عن المحبة والتضامن معهم وكعمل رحمة يجلب الخير على أصحابه... كيف أنسى وصية جدتي بأن أحتفظ بزيّها القبائلي الذي أهداها إياه جدي بعد الزفاف..كانت تتباهى بالجبة الحريرية المزخرفة بخيوط ذهبية وبرسومات تحتفل بالتراث الأمازيغي الأصيل.. جبة اختلطت فيها ألوان الفرح كلها؛ الأحمر الأرجواني الملكي والزعفران الثوري والأخضر الشامخ.. وتحيط خصرها بحزام عريض تتوسطه فوطة حمراء تتدلى منها شرائط ملونة، وقد زينت الحزام بليرات ذهب جمعتها عبر الأيام.. كلّما اشترت ليرة تثقل بها حزامها ولا تنسى أن تعرضه على جاراتها مرارًا وتكرارًا حين يأتين لزيارتها.. وكانت الجارة على الرغم من رؤيتها وتمعنها بالحزام مرات سابقة عديدة إلا أنها تبدي نفس الإعجاب من جديد، وتشهق نفس الشهقة، وكأنها تراه للمرة الأولى... كنت أرى جدتي وزائراتها واسترق السمع إليهن من خلف باب غرفة الجلوس الخشبي المعتق الذي كان يشيخ مع جدتي، ويفقد مع الأيام لونه البني الجميل، وتظهر التشققات في ثناياه.. اليوم أترك خلفي المدينة التي كبرت فيها وأحمل ذكرياتي، وكل ما علمتني إياه جدتي وحقائبي التي تتثاقل بفعل الوداع لأبدأ من جديد.. كنت أنظر خلفي فأرى الحب.. نعم الحب... كان واقفًا ينظر نحوي ويرفع لي جسور المدينة كي يوقظ داخلي ذكريات أحاول طمسها لأقوى على الرحيل... كانت نظرات حبيبي تقي الدين مبلولة... كنت أدرك ما كان يحاول قوله صامتًا.. كنت أشعر بنظراته وهي تستدرجني للبقاء.. شعرت في تلك اللحظة بأن حبي له كالغيمة البيضاء التي تتشكل من الدموع... ليتني مشيت ولم ألتفت خلفي.. لو لم أرفـع عينـيّ وأنظـر إليه طويلًا لما كان ليستدرج كل الأحزان المتراكمة في أعماقي... كانت لحظات وجـع لـم أعرف مثلها سابقًا ربما لأنها اللحظات الأكثر صدقًا في علاقتنا.. ربما لأننا نواجه بالوداع واقعنــا المـر.. نواجه فقرنا... نواجه عجزنـا عـن الاستمرار معًا... كان قلبي يشطر وبملء إرادتي، وبت متأكدة من أن هناك شيئًا ما بين الحياة والموت... ما بين الحب واللاحب... ما بين النهاية وفعل النهاية... إنه زمن يشبه كرسي الاعتراف.. كلما يلقى عليه غزير الدموع والخطايا ومراجعة الذات والحنين والفقدان والانكسار. ولكن تبقى محاولة السفر واستعادة الأمل بالحياة... فقد كنت أعرف تمام المعرفة بأنها فرصتي الوحيدة لأعيش حياة كريمة، وأساعد أخواتي الصغيرات اللواتي تركتهن بعهدة جارتي الخالة نوارة على التمسك بالحياة.

المصدر:حاورتها لنوافذ ثقفاية- ف. الحاج محمد