عاشة قحام تتحدث عن أول عمل روائي لها: كتبت "الموت المتعفن" من أجل القارئ البسيط

عائشة قحام قلم صحفي جزائري، بدأ يخط حروفه في الإعلام الثقافي منذ سنوات، متتبعة للأحداث الثقافية و مهتمة بشأن الأدبي تحديدا، خريجة جامعة الجزائر آداب، ترسم لنفسها طريقا شعار الوطن قبل كل شيء، و تنعكس قناعتها كموهبة أدبية شابة في نصوصها التي تحمل الكثير من الامل في رؤية شخوصها يعبرون عن حبهم للأرض. تماما كما شخوص روايتها "الموت المتعفن" الصادرة سنة 2015 و التي وقعتها بمناسبة صالون الجزائر الدولي للكتاب، حيث تلقت تشجيعات و اعتراف الكتاب بمختلف أطيافهم بدء بوالدتها قارئتها الأولى و المقربة، ووصولا إلى قارئ غير متوقع لا يشترط فيه الثقافة الأدبية المعمقة او المختصة كما تقول في حوارها معنا. "نوافذ ثقافية" أعادت قراءة النص الفتي و جلست إلى عائشة قحام، وحاولت أن تطرح أسئلة مباشرة و صريحة للتقرب من عوالم رواية تناولت العشرية السوداء كموضوع لها، و غطست في ترجيديا الانسان الباحث عن منافذ الأمن و السلام.

الموت المتعفن هو عملك الروائي الأول، حاز على جائزة علي معاشي لريس الجمهورية لعام 2014، و يتناول النص فترة التسعينيات في الجزائر حيث تصاعد التيار الاسلاموي و الارهاب؟

ما قدمت للقارئ هو عمل أدبي بالدرجة الاولى، يتناول موضوع التسعينيات كفترة حرجة في حياة الجزائر، و التي اشتهرت بالعشرية السوداء سجلت تحولا هاما في المجتمع الجزائري، الذي فقد خيرة أبنائها كضحايا الأعمال الإرهابية، ثم وجود شريحة لا يستهان بها من الشباب اختفوا في ظروف غاضمة إلى الآن، في الوقت الذي تجند فيه آخرون في صفوف الجماعات المسلحة، كان هناك فريق من الوطنيين التحقوا بالقوات الوطنية لمواجهة موجة الموت هذه. من جهتي تشبعت بهذا التحول، ناهيك عما حدث في المنطقة العربية، و قد تزامنت بداية كتابتي للنص بأحداث ما اصطلح عليه بالربيع العربي، فأردت أن أفهم ما حدث في الجزائر و ما يحدث في الدول العربية من خلال موجة العنف التي باتت السبيل الوحيد لإسقاط الأنظمة.

كيف ربطتي بين الحالة الجزائرية و "الثورات العربية" هل يمكن أن توضحي أكثر؟

لما شاهدت ثورة الياسمين التي انفجرت بشعلة من البوعزيزي، وبعدها ليبيا ومصر و سوريا، وجدت في 2013 هناك اضطرابات حصلت في الجزائر، جماعات تحاول النهوض بشيء يشبه تلك الثورات العربية، وارتفعت اصوات أطراف متعددة الأهداف و القناعات أيضا، و كنت أنا في محل الملاحظ، أشاهد من بعيد تلك التحركات وقلت في نفسي لا بد أن لا ننسى تجربتنا المريرة مع الإرهاب، نحن جيل ضحية إرهاب حتى و إن لم نتعرض له مباشرة، لكننا تأثرنا في نمونا النفسي بالجو العام السائد آنذاك. تساءلت كيف لهذا الجيل الذي ثار أجداده ضد المستعمر الفرنسي، وواجه آبائه الإرهاب، أن يعود لتخريب صرح مسيرة شاقة فقط من أجل المطالبة بتغيرات سياسية أو اجتماعية، صحيح أن هناك نقائص على مستويات عدة، لكن هل يجوز أن نحطم كل شيء باسم ثورة الزيت أو الخبز، هل يجوز لجيلنا أن يتنكر للرفاهية التي منحت له، ولو نسبية، علما أن الشباب ليس كله واع لماذا يريد الثورة و إلى أين يريد الوصول... شخصيا أنا أرفض التغيير بالعنف، و أؤمن أن ثمة سبل سليمة تخدم الوطن.

هل أفهم أن روايتك هي انعكاس لتجربة شخصية؟

ليست تجربة شخصية بالمعنى المطلق، الرواية تتحدث عن شأن عام تقاسمه الجزائريون في فترة عصيبة، ثمة ذاكرة مشتركة و ألم و ذكريات أيضا تتداولها الألسن، كلنا فقدنا أحد أقاربنا أو جيراننا أو زملائنا أو أساتذتنا. وقائع الرواية و إن كانت تقريبا كلها واقعية فهي لم تحدث لي مباشرة.

في ذهن كل كاتب لوحة واضحة يريد أن يرسمها للقارئ، بما استعنت لتشكيل شخوص الرواية التي جاءت متعددة و متفاوتة في الأعمار و الأجناس و التجارب أيضا؟

الغريب في الأمر أني  أشعر أن يداي محناة، أي أني عندما اكتب لم أكن أنطلق من تفصيل مسبق، كانت هذه الشخوص عبارة عن أفكار تسكنني لا غير، صحيح أن موضوع الرواية ليس جديدا على الجزائري، لكني مع ذلك قررت أن أرسم صورة بانورامية لعائلة "الشيخ رابح" و العجوز "فاطمة" و ابنه المجند في الخدمة الوطنية، و "سعيدة" الفتاة المختطفة، و "حليمة" المرعوبة من فكرة اقتحام الارهابيين لبيتهم، كل هذه الأسماء و غيرها تعرضت لمسلسل من الأحداث ما زالت آثاره واضحة في جسد الأسر الجزائرية، سواء آثار الخوف أو الاختطاف أو الاعتداءات أو الاختفاء أو الاغتيال ...

عادة يحاول الكتاب أثناء تناولهم لفترة الإرهاب في الجزائر، أن يتعمقوا في الحدث كلحظة انسانية خارقة، و يسعون إلى تفكيك شخصية الارهابي بصفته آلة عنف، لكن في نصك عائشة، أرى أنك وقفت إلى جانب الضحية، من خلال بورتريه لأسرة متواضعة الحال، و رغم دخولك بيتها إلا أن التعمق في دهاليز تلك الشخوص ظل محتشما في نظري كقارئة اولا، لماذا لم تسمح لنفسك بكثير من الغوص في نفسية هؤلاء؟

عملت على أن أكتب السهل الممتنع جدا، و لم أشأ الغوص في الموضوع بالشكل الذي ذكرته، كان الهدف هو ايصال الفكرة، التعبير عن شخصيات، صحيح كان بامكاني أن أعطي للشخوص أبعاد أعمق مما بدى لك كقارئة، لكني و تجربتي الاولى في الرواية، امتنعت عن فعل ذلك، كنت أرى نصي الروائي وهو يُكتب كفيلم سينمائي، و قررت أن اتحفظ على بعض التفاصيل، لأترك القارئ يبذل جهدا اكبر مني ليفهم ما  يحصل فيما بعد...

عفوا، أنت قسمت الرواية إلى فصول، و لكنها فصول قصير جدا، لم يكن فيها متسع لتراكم الأحداث و تصاعدها، هذا التقسيم السينمائي كما قلت، كان سيكون أجمل لو أطلتي بعض المشاهد لنراها، كما هو حال الجنازة و تجمع النسوة وحديثهن السري، أو تلك الجلسة الحميمة بين عزيز و صديقته و لحظة مرور جماعة ارهابية أمامهما، ألم تقمعي نفسك بعض الشيء؟

ربما لأني تعمدت ذلك لأني أرى أن الموضوع غير جديد، فقط أردت أن يجد القارئ ضالته في الشخصيات و يتوقف، و أضعه في حالة سوسبانس (ترقب)، أما أن أطيل في مشهد الجنازة مثلا، فلا أرى ذلك مفيدا... رسالتي التي أردت بعثها من خلال هذه الرواية، هي التوقف عند مفهوم الاسلامي و الارهابي و التصنيفات التي قد تضر بالمعني الحقيقي للإسلام الذي هو بريء من الإرهاب، كما أردت تناول فكرة "من يقتل من؟" ما سبب الإرهاب؟ هي أسئلة كثيرة حاولت الاجابة عنها و أخرى لم أعط لها إجابة تركتها للقارئ ليستنتج هو ما يجب أن يفهمه من نصي.

استسمحك في إبداء رأيي فيما يخص العمل، إذ أرى أنني أمام قصة التي تعتمد على  تركيز في الأفكار و الكثافة و الاختصار في نفس الوقت و ليس رواية، هل كان سيزعجك الامر لو نعتي نصك بالقصة؟

بما أنه "الموت المتعفن" متوجة الثالثة ضمن جائزة علي معاشي لأحسن نص روائي لعام 2015، و كنت ضمن الثلاث فرسان المتوجين بجائزة رئيس الجمهورية، فحسب المعلومات التي وصلتني فقد وفقت كثيرا في الحوار، أكيد كانت هناك نصوص أكثر عمق و كثافة، لكن ما يسعدني أني نجحت في تأليف حوار جيد جدا، و تقسيم النص إلى فصول يسرت القراءة، لكل أطياف القراء الممكنة، فقد كنت أستند أثناء الكتابة على الفكرة، و أعرضها على والدتي لأقيس مدى توصلي للهدف، كما قدمت المخطوط لإرهابي تائب ليبدي رأيه فيها، فأشاد بها أيضا...

هل كنت بحاجة إلى شهادة الإرهاب التائب في نص أدبي؟

بصراحة لا أريد أن أكتب نصا أدبيا غير حقيقي و أنا في بداياتي. حاليا أرى نفسي غير جاهزة لكتابة نص بعيد عن الواقع الذي اعرفه، أو لاستعين بالخرافة و المخيال كما هو حال الروائيين الآخرين. لهذا لجوئي إلى إرهابي تائب مرده رغبتي في تقديم نص يستند إلى الحقيقة المعاشة حتى في التعابير المستعملة من قبل الجماعات الارهابية، و التي كانت تردد على مسامع الناس.

كلامك هذا يفسر إذن استعمالك للغة عربية بسيطة و سليمة، و لكنها بعيدة كل البعد عن الشاعرية أو حتى خالية من التشبيهات و الكنايات؟

هذا خياري اللغوي، و نابع من قناعتي أنه لتبليغ رسالة ثقافية أو فنية، لسنا مجبرين على استعمال اللغة الكلاسيكية الأدبية التي قد تهيب القارئ للتقرب منها، في الموت المتعفن لم أكن أبحث عن قراء من الدرجة الاولى بل كنت أفكر في القارئ المتعدد الثقافات و المستويات من البطال و الدارس و الأديب و الاعلامي و  حتى البسيط في مداركه اللغوية أردته ان يفهم نصي حينما يقرأه.

من هو قدوتك الأدبية؟

سبق و قمت بدراسة نقدية على نص "ريح الجنوب" للروائي الراحل عبد الحميد بن هدوقة بعنوان "هاجس البحث عن الذات"، وبالتالي فأنا من أشد المعجبين بصاحب بهذا الكاتب، و بأسلوبه في التأليف، إذ وأنا أخط جملي في "الموت المتعفن" كنت أفكر في أسلوب بن هدوقة وهو يكتب. لأن أسلوبه مريح و تركيبه للأحداث رهيب جدا.. أنا أقرأ للكتاب الجزائريين، ايمانا مني بإعادة الاعتبار للنص الجزائري، و اغتنم فرصة هذا اللقاء لأسأل القائمين على ملتقى بن هدوقة في برج بوعريريج عن سبب توقيفه لسنوات متتالية، رغم أنه كان قبلة للإبداع و البحث؟

جديدك القريب متى سيقرأ؟

نعم اتممت مجموعتي القصصية و ستصدر عن قريب هذه السنة عن دار نشر عربية بالقاهرة، و أتمنى أن مواصلة لنجاحي في مجال الكتابة الأدبية، كما أنني أسست الرابطة الوطنية للإدباع الفني و الثقافي و الإعلامي سيكون لها نشاط في الميدان يثري المشهد الثقافي وطنيا.

المصدر:نوافذ ثقافية- حاروتها: نبيلة سنجاق