في اشتغال مغاير للباحث رابح هوادف :أنموذج جديد لتأسيس المسرح التعليمي بالجزائر

طرح الباحث رابح هوادف، أنموذجًا لتأسيس المسرح التعليمي (الديداكتيكي) في الجزائر، على درب تفعيل قطاعين لهما دور فاعل في ترسيخ المبادئ التربوية والثقافية وتكوين ناشئة متوازنة تعلمًا وفكرًا وثقافة وذائقة جمالي، خصوصًا وأنّ المسرح بديل فكري لا يمكن لأي مجتمع أن يستغني عنه في حركيته وتصوره وتشكّلاته.

وفي مداخلته الموسومة "المسرح التعليمي في الجزائر: أنموذج للتأسيس"، برسم الملتقى الوطني الثاني "المسرح في المدرسة بين التّرفيه والتعليم" المقام بجامعة مسيلة، ركّز هوادف على حتمية تكريس وجود فعلي للمسرح التعليمي داخل المنظومات التربوية والتعليمية والثقافية بالجزائر.

وقام الأستاذ في المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري ببرج الكيفان، بتحيين مشروع أطلقه المسرح الوطني الجزائري مع وزارة التربية في فيفري 2015، عبر إقرار إدماج المسرح كمادة في المقررات الدراسية اعتباراً من الموسم القادم 2020 – 2021، تأكيدًا على الارتباط الوثيق بين المقررات الدراسية وبين الأنشطة المدرسية والفضاءات المعدّة للمشاهد الصغير، بمختلف فئاته العمرية، ومن أجل تطوير الفكر التربوي للأطفال، وتزويدهم بالقدرات على التعلم الذاتي في استغلال جميع ملكاتهم، وصولاً إلى نتاج وتحصيل تعليمي أفضل.

وفي تظاهرة نُظّمت بالتنسيق بين مخبر "سميولوجيا المسرح بين النظرية والتطبيق"، وكلية الآداب واللغات، نوّه هوادف إلى أنّ المشروع يقوم على كيفية استغلال المحتوى، بشكل يمكّن من التعامل مع المقررات الدراسية بطريقة شيقة ومتجددة، وإكساب المتمدرسين عدة مهارات عقلية وعلمية واجتماعية واقتصادية.

وتمّ تقديم مقترح تكوين المكوّنين، من خلال بعث ورشات تكوينية للمنشطين داخل المدارس، عبر ثلاث مراحل ببعد وطني تشمل الأطوار التعليمية الثلاثة (الابتدائي، المتوسط، والثانوي)، وفقًا لموائد مستديرة وخلايا تفكير للخروج ببرامج تعليمية خاصة بالتربية المسرحية على مستوى المدارس.

وبما أنّ عمر الأشياء يتحدد بفاعليتها، أشار هوادف إلى إلزامية تحديد هيكل تنفيذي ينظم الورشات، ويحوّل الرائج من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج، وفقا للمراحل الأساسية على النحو التالي: الدورة الأولى: الفـتـرة: 27-28-29-30-31 مارس 2021، الـكـم الساعي: 150 ساعة من التدريبات، المحاور: الوعي بالتحديات التي تحيط بالثقافة الجزائرية على المستوى النوعي أو الكمي، يدفع بالفريق القائم على إعداد الدورة التدريبية الأولى في تحديد المفاهيم النظرية المتعلقة بالمسرح وماهيته، وتعريف المتربصين بمختلف الحرف المرتبطة به، والوسائل الواجب توفرها لإعداد عرض مسرحي متكامل، تكون انطلاقة لما يأتي من دورتين.

وفي الدورة الثانية (29-30-31 ماي /01-02 جوان 2021)، سجّل هوادف ضرورة تعريف المتكونين، بنظم العلامات التي تحدد المعنى في العرض المسرحي والكيفية التي يتم اختيار النصوص حسب الفئات العمرية، وفي الطريقة التي يتم بها ترشيح النصوص واكتشاف المواهب والقدرات التي ستمتع بها الفرد.

ولحساب الدورة الثالثة (06-07-08-09-10 نوفمبر 2021)، لفت هوادف إلى الاشتغال على محاور تحديد الهوية والوظيفة الحقيقية للمسرح، وأهم الرواد المسرحيين الجزائريين، ودور المسرح في تثبيت القيم والتأهيل الاجتماعي والتواصلي بين الافراد، إلى إعداد عمل مسرحي استنادا على نص درامي، بهدف ضبط طريقة استغلال فضاء العرض، وإلى تحديد الكيفية التي يتم بها توجيه الممثل حركيًا وصوتيًا وانفعاليًا.

ويصل كم التكوين المسرحي في الموسم الدراسي إلى 450 ساعة، مع زيارات ميدانية للمدارس المعنية بإعداد عروض مسرحية تطبيقية تحظى بتأطير 5 متخصصين في مهن فنون العرض (الكتابة – التمثيل – الإخراج – السينوغرافيا – الكوريغرافيا)، على أن يتم اختيار أساتذة ومعلمين للاستفادة من هذه الدورات، حسب اهتماماتهم الفنية وميولاتهم إلى المسرح.

وانتهى رابح هوادف إلى أنّ مشروع المسرح التعليمي، سيكفل إعداد نخبة من المنشطين المسرحيين بالوسط المدرسي، تكون انطلاقة لدورات مستقبلية من تأطيرهم، وتضمن تفعيل النشاط المسرحي من خلال عروض تقدم في نهاية الدورات الثلاث، تكون بمتابعة المنشطين المكونين وتقديم متمدرسين، بهدف إعطاء الأدوار البيداغوجية للمسرح، دون إهمال جانبه الاجتماعي.

وخلص هوادف إلى أنّ المسرح التعليمي يشكّل مدخلاً سيكولوجيًا وتربويًا ومنهجًا تأهيليًا، وعليه يشكّل إدماجه مدرسيا بأشكال مختلفة كمادة أو كنشاط ثقافي، خيارًا استراتيجيًا في تلقين المواد التعليمية وانماء الكفاءات اللغوية لاسيما في بعدها الحواري، ومكسبًا بيداغوجيًا عبر توظيف آلية المسرح كجسر تعليمي ديداكتيكي يرتقي بمكانة التعليم ويمنح زخمًا أكبر على صعيد الأبعاد والدلالات، من حيث:

تدريب الطفل على النطق و معالجة عيوب الكلام مع تعليمهم النطق الصحيح والالقاء الحسن وتنمية الثروة اللغوية، استثارة خيال الطفل وتنمية مواهبه وقدراته الابداعية والفكرية، زرع مختلف القيم الدينية والوطنية والاجتماعية، تعزيز الانتماء الوطني لدى الطفل، بثّ البهجة والمتعة في نفوس الأطفال، زرع الثقة بالنفس بمواجهة الذات والجمهور، الاسهام في تهذيب سلوك الأطفال وتوجيهها نحو الأفضل، توعية الطفل اجتماعيًا ووجدانيًا وفكريًا، إضافة إلى تربية التصرفات الاندفاعية عن طريق تعليمه الكيفيات المثلى للجلوس و السير والأكل والحديث والتعامل مع الآخرين.

ولعلّ تفعيل المسرح التعليمي سيمكّن حتمًا من كسب رهان التطوير الإبداعي والتربوي في الجزائر، ولعلّ تنمية هذا النوع من المسرح سيوفّر فرصا لاستكشاف ورسكلة المواهب الشبانية، ويساعد أيضًا على تكوين جيل مثقف وواعي، ما يبرز أهمية دعم المسرح المدرسي لأنّ الأخير هو "المشتلة" التي تبقى بحاجة إلى دعم وجهود معتبرة، خصوصا في ظلّ موجات الغزو الثقافية، وما يطبع سيرورة الطفولة في الجزائر.

والعبرة تكمن في تنمية مدارك الأطفال وتوسيع روافدهم ومخيالهم بما يؤهلهم لامتلاك أدوات التفكير والمناقشة، وذاك موصول بالحرص على تعويد الطفل وتشجيعه على الذهاب إلى المسارح، بجانب تحفيزه على تذوق الأعمال الفنية وإجادة لغة الحوار، كوسيلة لتكوين جيل جديد ناضج متشبّع بروح الجمال والنقد البناء، والمسرح المدرسي حتى وإن لم يوفق في اكتشاف المواهب، فإنّ نجاحه في تكوين جمهور متذوق هو الأساس.

ويمثّل المسرح التعليمي بالمنظور الجديد إعادة اعتبار لتأصيل الظاهرة المسرحية الجزائرية، فالمسرح هو فعل ثقافي حضاري ينطلق من بيئته ليغيّرها، وعلى المسرح النهوض بدورين متكاملين: يُصلح ما ثبت اعوجاجه ويزكي ما ثبت صلاحه، وفي ذلك انطلاقة واعدة للمسرح التعليمي الجزائري في القادم.

ويعدّ المسرح التعليمي أداة فاعلة في تبسيط المناهج لمتمدرسي كل أطوار التعليم وإعداد أجيال تهتم بتطبيقات العلم والتكنولوجيا، ويعتمد هذا النوع من المسرح على شخصيات ديناميكية وأدوات جمالية تعبيرية متعددة تسهم في تجديد البرامج الدراسي وفتح آفاق المتعلمين على فضاءات الترفيه والتعلم والتعليم.

 المصدر:مبعوث نوافذ ثقافية الى المسيلة-  بديع بغدادي