حوار مع وجهي

عمود اسبوعي يكتبه: عبد الرزاق بوكبة

لمدينة مولاي إدريس زرهون المغربية قدرة سلسة على أن تتسرّبَ إلى روحك نبضا.. نبضا، فتجعلَكَ مبرمجا على التحليق/ الصعود، هي أصلا لا تملك طريقا/ دربا لا يتصاعدُ، مما جعل بعض مفاصلها العالية والضيقة تستعصي على وسائل النقل الحديثة، فعوّضها الحمار.

لا نقول في هذه المدينة إن السيارة عوّضت الحمار، بل إن الحمار عوّض السيارة، ومن الصعب ألا ترى هذا القلب جمالا وانسجاما مع روح العصر، إلى درجة أن بعض مبدعي المدينة بادروا إلى تأسيس فعالية أدبية تحتفي بالحمار. أتصور أن معظم الشعراء قد ضحكوا حين وصلتهم الدعوة، ولا شك في أن كثيرا منهم عاتب نفسه على ذلك الضحك/ الاستهزاء حين زار المدينة.

كنت أحد المدعوين لحضور هذا الملتقى في دورة سابقة، لكن ظروفا لا يتحملها حتى الحمار حالت دون أن أشارك في نشاط أراه من باب صلة الرحم ههههههههههههه، ذلك أن قبيلتي في شرق الجزائر تسمّى أولاد جحيش، وهي إذ تجهل سبب تسميتها هذه، لا تملك عقدة منها. خاصة الجيل القديم، علما أن تسمية مثل هذه في مجتمع تعوّد على ربط الحمار بالغباء مدعاة للعقدة.

أنت حمار، كلمتان قادرتان على قتلك إذا قلتهما لأحدهم، رغم هذا فلا عقدة لسكان قريتي في أن يقولوا إننا من أولاد جحيش، ولا عقدة لدي ككاتب خرّيج هذا السياق من أن أكتبه جماليا في نصوصي السردية.

إن أولاد جحيش بوصفها مكانا تكاد تكون بطلا فيها، خاصة روايتي ندبة الهلالي، بعيدا عن نزعة التشنج من المدينة، حتى وإن أصبحت تعاني خرابا روحيا وحضاريا جعل سلطة الإسمنت أقوى من سلطة الحديقة والشرفة المورّدة، وسلطة الجماعات الخارجة عن القانون  حاضرة رغم متابعات رجال الأمن.

لقد باتت المدينة الجزائرية مبرمجة على أن يخاف إنسانها من إنسانها، فانسحبت بنيات وتقاليد كانت تصبّ في بحيرة التواصل مثل المسرح وقاعات السينما والأسواق الليلية، وهي بهذا لم تعد تقدم حكايات بل أحداثا، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بالذات: هل بقيت القرية الجزائرية تؤثث لحظاتها بالحكايات؟

لست أدري ما الذي جعلني أنتبه وأنا أشرب شايا في ساحة المسيرة بقلب مدينة مولا إدريس زرهون إلى أن الحكاية في قريتي بدأت تختفي بشروع القوم في تغييب الحمار بداية الثمانينيات بفعل عودة العاملين في فرنسا بعد تقاعدهم، حيث ارتبطت عودتهم بشراء السيارات والجرارات، ثم تكرس غياب الحمار من الفضاء في التسعينيات بفعل جماعات الموت والإرهاب التي استوطنت الغابات والجبال والحقول والوديان، أعني الفضاء الحيوي لنشاطات الحمار.

اليوم.. لا يوجد الحمار في قريتي إلا في نطاق الذاكرة، فأنا شخصيا لا زلت حتى هذه اللحظة أذكر الأتان التي اشتراها لي أبي خصيصا لأركبها إلى المدرسة التي كانت تبعد عن حوشنا ستة كيلوات، وكان لا بد من الأتان، قلت الأتان ولم أقل الحمار ذلك أن قريتنا كانت تتجنب تربية الذكور من الحمير، عكس القرى الأمازيغية المحيطة بنا، ولكم أن تتصوروا معركة النهيق حين يلتقي الطرفان في محيط المدرسة الوحيدة في المنطقة.

مشهد ناهق: لم نكن نتواصل مع زميلاتنا إلا داخل الأقسام، أما خارجها، فقد كان ذلك مدعاة لأن نأكل كعكة سمينة من الضرب على أيدي إخوانهن أو آبائهن أو أحد من العائلة، وكن يتجمعن أسفل منا قبل أن تفتح المدرسة بابها.

ذات يوم حماري بامتياز: التلميذات القرويات متجمعات داخل ثرثرة خفيفة يؤطرها الحياء، وإذا بحمار يظهر من جهة القرية الأمازيغية ناهقا خلف أتان راضية، لكنها تمارس هروب الدلال، وحين وصلت إلى كوكبة البنات توقفت ليركبها الحمار من غير أن يترك فاصلا، الحمار متحمس للعمل منذ سمّي "حمارا".. نحن الذكور هربنا من المشهد إلى أعلى الجبل، والتلميذات هربن منه إلى الوادي، ولم نلتق حتى صباح اليوم الموالي.

في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا، وأنا أشرب شايا في قلب مدينة مولاي إدريس زرهون المغربية: سائحات إسبانيات يطلبن من صاحب حمار أن يسمح لهن بأن يلتقطن صورة مع حماره، عفويا سأتطوع لالتقاطها.. ليس ظرفا مني فقط، بل إنصافا لقريبي الجحش أيضا.