الأديب الطاهر وطار... كان مثله الأعلى الأمير عبد القادر في نسج مشروع ثقافي للجزائر

في الذكرى السادسة ... ما عسانا نكتب الآن بعد رحيل متنبي الرواية الجزائرية ، الأديب العالمي الطاهر وطار ، ذكراه تترك القلب يحزن ، والعين تدمع ، والقلم يرفض أن يتجمد حبره للحديث عن عمي الطاهر وطار الأديب الجزائري الكبير .

برز اسم الطاهر وطار على الصعيد العربي في السبعينات عندما أطلق روايته "اللاز" التي شكلت علامة في الرواية العربية الى جانب "موسم الهجرة إلى الشمال" للراحل السوداني الطيب صالح، ورواية "سعيد أبو النحس المتشائل" للراحل الفلسطيني إميل حبيبي. وهي الروايات الثلاث التي تركت أهم العلامات على الرواية العربية في السبعينات وحملت رؤية وحراكا في الاجتماع والسياسة عبرت فيه عن حالة من الغليان في المجتمعات العربية في ظل العلاقة مع الأخر الأوروبي المستعمر والإسرائيلي المحتل. فرواية "اللاز" كانت الرواية الأولى التي قدمت تاريخا نقديا للثورة الجزائرية حيث انتقدت المد الديني الذي لم يقبل بوجود الأخر الماركسي.

كان وطار من ابرز المدافعين عن الثقافة العربية رافضا التيار الفرانكفوني الذي اعتبره مؤشرا على استمرار احتلال الجزائر ووقوعها تحت الاستعمار من جديد رغم رحيل قوات الاحتلال الفرنسي عن أراضيها ، وقد كلفه موقفه هذا الكثير من الهجوم من قبل ممثلي تيار الفرانكفونية في الجزائر.

إلا انه لم يتراجع عن موقفه بل عمل على تأسيس "الجمعية الثقافية الجاحظية" التي تحمل كل تعبيرات المعاصرة والحداثة وتؤكد في الوقت نفسه على المحافظة على الثقافة العربية ضمن الرؤية الجديدة العقلانية التي عبرت عنها تجربة الجاحظ التاريخية.

وقد كلفته آراؤه ومعارضته الدائمة الكثير من المعاناة في مراحل حياته ، فقد تولت السلطات آنذاك محاصرة أي نشاط يقوم به على صعيد الصحافة والفكر ، وأقفلت أسبوعية الأحرار أول صحيفة من نوعها في الجزائر المستقلة عام 1962 وألحقتها بعد ذلك بعام بإغلاق صحيفة أطلقها في العاصمة باسم "الجماهير". واستكملت الحصار بعد ذلك بعقد من الزمان بتوقيف أسبوعية "الشعب الثقافي " وهي تابعة لجريدة الشعب لأنه جعل منها منبرا للمثقفين اليساريين. إلى جانب ذلك فان صاحب العبارة الشهيرة التي أصبحت مثلا "لا يبقى في الوادي إلا الحجارة " بقي مخلصا لمقولته حتى نهاية حياته.

ترك الراحل وراءه العديد من الكتب ، أبرزها المجموعات القصصية "دخان من قلبي" ،"الطعنات" و"الشهداء يعودون هذا الأسبوع "، وفي الرواية " اللاز " ،" الزلزال " ،"الحوات والقصر" ،"عرس بغل" ، "العشق والموت في الزمن الحراشي" ،"تجربة في العشق" ،"رمانة" ،"الشمعة والدهاليز" ،"الولي الطاهر يعود الى مقامه الزكي" و"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء" وفي المسرح كتب "على الضفة الأخرى" والهارب".

كان الطاهر وطار كاتبا عربيا من الطراز الأول  خاصة وأنه  عبر عن تجربته الجزائرية بطريقة خاصة ، كونه الكاتب الجزائري الأول الذي استخدم اللغة العربية في كتابة الرواية والمقالة والمسرحية إلى جانب قيامه بالترجمة ورفد الرواية العربية بالكثير من الإبداعات التي أسهم فيها بنقل الرواية العربية إلى آفاق جديدة .

منح في 2005 جائزة منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) للثقافة العربية. كما حصل على جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية للقصة والراوية في 2010.

عن مشروعه الروائي قال لي عمي الطاهر رحمه الله بالحرف واحد في احد لقاءاتنا معه :" مشروعي الروائي يقوم علي ثلاثة محاور الأول إتمام تحرير الجزائر لأنها للأسف تحررت سياسيا ولم تتحرر ثقافيا . في فترة الاستقلال أسسنا ملايين المدارس التي تعلم الفرنسية حتى أننا نشرنا الفرنسية أضعاف ما قامت به فرنسا أثناء الاحتلال الذي استمر قرنا ونصف. والبرجوازية الحاكمة أصبحت نخبة تستعمل الفرنسية كلغة للحديث. مشروعي أساسا يقوم علي تحرير الهوية الجزائرية لتصبح هوية عربية بربرية إسلامية ، وأن تكون صلتنا باللغة الفرنسية مثل صله إخواننا في تونس والمغرب لغة أجنبية ثانية نستخدمها متي شئنا. المحور الثاني لمشروعي هو تصحيح مفهوم الثقافة في هذا البلد إذ لم يكن لدينا ثقافة حديثة في السابق ولم يكن لدينا الأدب بالمفهوم الحديث ، ولذا ما أسعي إليه هو تأسيس تقاليد أدبية ثقافية. المحور الثالث هو تحرير المثقف الجزائري من التعصب ، وهذا هو شعار جمعيتنا الثقافية الجاحظية ( لا إكراه في الرأي) . وهذا الأمر من أصعب الأشياء التي يمكن ان أقوم بها حتى أنها تبعث علي الحزن في كثير من الأحيان وأضطر أن أخوض معارك مع غلاله المتفرنسين والمعربين المغلقين الذين لا يتوانون عن مهاجمتي وأنا صامد ، مثلي الأعلى في ذلك الأمير عبد القادر، وعبد الحميد باديس وهؤلاء الذين ضحوا من أجل الآخرين ".

المصدر: نوافذ ثقافية-ف. الحاج محمد