الشيخ مكي نونة يستغيث و يستصرخ: ساعدوني لكي أعيش !

بعد  الراحلين  المطرب بوثلجة بلقاسم و المسرحي محمد بن طيفور ، هاهو دور الشاعر الشيخ مكي نونة ليطلق صرخته في وجه المسؤولين الثقافيين في الباهية و ينتظر منها التفاتة، إنها صرخة فنان استبد به العوز و المرض و افترسه التجاهل و اللامبالاة و كأن الجزائر ووهران قدر لهما أن يكون الفنان بهما قدر معتم و مصير مجهول و هم على فراش المرض ، تختزل حياتهم الحافلة بالعطاء في مساحة جدرانهم البائسة التي تحاصرهم و الوحدة التي تبقى ونيسهم الوحيد بعد أن تنطفئ أضواء الشهرة، و  حين تصمت ميكروفونات كانوا يمنحونها الحياة في وقت من الأوقات، انه واقع يندى له الجبين ، واقع مرير لوطن لا زال يحن إلى عراجين التمر و يتوق إلى تعليقها على قبور من رحل من المثقفين ، بعدما كانوا في حياتهم نسيا منسيا.

 و الشيخ مكي نونة  لمن لا يعرفه هو احد فرسان الشعر الملحون، و كاتب للكلمات ، انه أشهر نار على علم ، أفنى سنواته الثالثة و الثمانون في خدمة الثقافة و المثقفين، انه موسوعة  غنية و ثرية  تحوي كل غص و سمين عن تاريخ وهران ، و عن سير فطاحل الملحون بها، كما انه كتب العديد من الأغاني لأشهر شعراء الباهية على غرار الراحلة صباح الصغيرة ، الشيخ بن فيسة ، الراحل الشاب فتحي ، الشيخ الملياني ، الشاب مازوزي ، و أشهر أغاني المطرب هواري بن شنات  كأغنية "مرسم وهران" ، "راني مدمر"، "كبيرة عليا جومانفو" ، و" لوكان نبكي" .

لم تتوقف مواهب الشيخ المكي نونة عند كتابة  كلمات الأغاني و الشعر  الملحون ، بل تعدتها إلى التنشيط ، و ممارسة حرفة " التبراح" الشعبية التي كان من خلالها يرافق كبار شيوخ الغناء الشعبي ، و لم يكن حينها سنه قد تجاوز 17 سنة، نذكر منهم عبد القادر الخالدي ، الشيخ حمادة ، الشيخ محمد الغيليزاني ، الشيخة الريميتي ، الشيخ بخدة العمري ، الشيخ الوشمة ، و الشيخة بختة.

كما كان  للشاعر مكي نونة شرف تنشيط السهرة الافتتاحية   لتظاهرة "سنة الجزائر بفرنسا"، كما نشط العديد من السهرات بخارج الوطن بكل  من بلجيكا  و المغرب. 

يستصرخ الشيخ مكي نونة، و قد نخر جسده الضعف و الوهن، المسؤولين عن قطاع الثقافة بالباهية من اجل التفاتة ، قائلا و بمرارة " لقد شرفت وطني في  خارج الوطن و كنت خير سفير للثقافة الجزائرية ، كما أنني قمت ببحوث في التراث الجزائري من اجل الحفاظ عليه للأجيال ، و يحق لي أن أطالب بقليل من التقدير و الاهتمام ، و الدعم المادي وأنا في ظرفي الصعب هذا من أهل الحل و العقد في القطاع الثقافي بوهران، المدينة التي احتوت أفراحي و أحزاني"

و يضيف و في القلب غصة " لست بحاجة ان يبعثوني للحج بالبقاع المقدسة للحج ، أريد مساعدة لتمكنني من العيش ! !.

و اعتبر الشيخ مكي نونة ان الفنان يستحق قليلا من الاعتراف، فلن تفيد كل خطابات الإطراء و التمجيد بعد الرحيل

كما لم يفوت الشيخ مكي نونة  الفرصة ليشكر كل من مد له يد العون و هو يجتاز تلك الظروف الصعبة، حيث وجه شكره لكل من المدير العام لديوان حقوق التأليف و الحقوق المجاورة و كذا السيد عبد الغني زعلان والي وهران و أعضاء محافظة  مهرجان الأغنية الوهرانية  الذين قاموا بزيارته في بيته للاطمئنان على أحواله

للإشارة فقد أنجز الشيخ مكي نونة عملا انثروبولوجيا مهما و  جبارا من خلال جمع اكبر عدد من القصائد و توثيقها و ترتيبها لعدد من قصائد الملحون للشعراء المنظرين الذين سبقوا عصرهم من بينهم الشيخ زناقي بوحفص، محمد بلوهراني ، صاحب قصيدة كتبت في سنة 1870 و المعنونة "ياشيخي شفت منام كحل"، و الواقعة في 360 بيتا ، و بخصوص هذا البحث فقد تلقى عرضا من قبل باحثين من الدانمارك قدره 5000 دولار ، مقابل الحصول عليه لكنه فضل تسليمه لوزارة الثقافة الجزائرية ، و هو البحث الذي تعاقبت عليه الوزارات على قطاع الثقافة و لكن لم يتم طبعة و إصداره  على شكل كتاب و لا دفع قيمة ما أنفقه الشيخ مكي نونة من مصاريف البحث لجمع معلومات تعلقت بهذا البحث، حيث قضى على كل مدخراته المقدرة ب 460000دينار.

و تمنى ان يكون هناك مسؤول صادق يقوم باءنصافه و الاعتراف بمجهوداته و إرجاع و لو قدر قليل مما أنفقه في هذا البحث الانثروبولوجي و طبعه ليبقى ذخرا تتداوله الأجيال جيلا بعد جيل.

 

 المصدر: مراسلة نوافذ ثقافية- ب.نادية