محمد بوكرش.. قديس الفن التشكيلي الجزائري

هو فنان يتنفس تواضعا، و يلبس الحرية ثوبا لأعماله الإبداعية، بجنونه الحكيم، و حرصه على تنمية مستوى الفكر البشري من خلال منحوتاته و رسوماته الفريدة، استغليت حضوره الكريم هنا ، في مدينة الفن و ملهمة المبدعين ،قسنطينة ، للاطلاع اكثر على مكنوناته و هواجسه، و التشبع من فكره الحكيم و المتزن...

عن محمد بوكرش :

التعريف بالنفس و الحديث عنها من أكثر الأشياء صعوبة ، حتى أنها باتت من الأشياء المملة في كل الحوارات الصحفية بالنسبة للفنان، يقول محمد بوكرش  أنه لاعب جيد يحسن اللعبة منذ الطفولة، بحيث كبرت معه هذه المغامرة و نمت بنموه، لعبة الرسم و النحت، فقبل أن يعرف المدرسة و التعليم و الاختصاص، استمتع بالتلاعب بالألوان و عاشها، و يعود الفضل في ذلك إلى الكم الهائل من القصص المرسومة و كتب الإنشاء التي كانت تمر به في الطفولة و المدرسة، و كذلك حفظ المحفوظات، و رسمها في مشاهد تعبر عن رؤيته لأحداثها، من هناك بدأت قصة عشق محمد بوكرش لعالم الرسم و النحت...
الفنان محمد بوكرش ترعرع في بيئة بدوية في الجلفة من عرش " أولاد سيدي بن عليا"،  من عائلة متذوقة للفن بشكل جميل، حيث أنه تربى على صوت جدته التي كانت تحسن الغناء بشكل رائع، و  جد يبدع في العزف على "القصبة"، أما الأب فكان بناء للجسور، و الملفت أنه كان يصمم صورا لجسوره قبل بنائها، محيطه الذي نشأ فيه كان مهيأ ثقافيا لحب الفن و الإبداع، مع أن والديه كانا يفضلان أن يواصل دراسته بعيدا عن توجهاته الفنية، لأنهما لم يفقها مهمة الرسم ، فالفن كان بالنسبة إليهما لعبة و مضيعة للوقت، حتى أن والدته ضربته مرارا للتخلي عن ذلك، دون جدوى، كما أنه منح شذرات ذوقه لأبنائه، رغم توجهاتهم العلمية المختلفة.

مشواره مع الفن التشكيلي و الكتابة:

محمد بوكرش بالإضافة إلى أنه موهبة مصقولة على مدى سنوات طويلة في المجال الفني، هو أيضا كاتب متمرس، و قد اكتسب ذلك عبر مراحل حياتية متسلسلة، فبمجرد أن انتهى من المرحلة الثانوية، وجد نفسه متورطا في مدرسة الفنون الجميلة بتوجيه من بعض الأصدقاء، و العارفين بالإختصاص، و قبل الالتحاق ، مر بالتعليم الابتدائي لضرورة ما، و هنا اكتشف الفقر المدقع الذي كان يعاني منه الكتاب المدرسي، من الجانب التصويري ، فهو غير مشوق، و لا يدفع إلى الرغبة في القراءة، و بالتحاقه بالمدرسة ، رسخت في ذهنه مبكرا فكرة ما بعد التخرج، و هي محاولة تغيير صورة الكتاب المدرسي، لأن الرؤية التي استدرجته إلى العالم الفني منذ الصغر ، حرم منها أطفالنا في بعض الكتب، لكن بتطور التكنولوجيا حاليا، أصبحت الكتب مطورة بشكل ملفت، لكن بقي الجانب المكمل لها، ألا و هو مستوى المعلم الذي يشرف على تلقي التلميذ لتلك الكتب، فقد تراجع و تدهور بشكل مخيب، تزامنا مع تدهور المدرسة الجزائرية، فمن المفروض أن تكون المدرسة الأساسية هي القاعدة التي يبنى فيها التلميذ و المعلم على حد سواء. لكي يوجه الطفل بعدها كل الى الاختصاص الذي يجد نفسه فيه.و للأسف فإن الثانوي الفني أهمل جدا، رغم مجهودات وزارة الثقافة في هذا الجانب، و افتتاح مدارس مختلفة في شتى ولايات الوطن.

في مجال النحت، يقول الفنان، أن دراسته الثانوية كانت في ولاية سطيف، في عين الفوارة المشهورة بالمنحوتات البرونزية و الحجرية، خاصة حديقة الأمير عبد القادر التي تضم منحوتات رخامية جد رائعة، من مستوى منحوتات رودان، و هنا اكتشف فن النحت، لكنه كان يجهل فعلا أن تلك المنحوتات من صنع بشري، فقد كان يسكنه اعتقاد تقليدي قديم ، بأن المنحوتات لم تكن سوى بشرا ممسوخين إلى حجر لذنب اقترفوه، و بعدما توجه إلى مدرسة الفنون الجميلة، أيقن بأن النحت فن يدوي محض، و مهارة من جملة المهارات البشرية، كما أن اختياره للنحت، يعود إلى أنه تمكن مبكرا من إجادة الرسم، فوجد نفسه بحاجة إلى الولوج إلى عالم جديد، إذ درس النحت، و اختص فيه، و درس النسب و التحكم في الأبعاد التي هي من أساسات فن النحت.

اكتشفه الشاعر الراحل عمر البرناوي في معرضه الأول،  الذي دعاه إلى ملتقى في بسكرة، حيث يجتمع كبار و أعلام الثقافة و الأدب الجزائري، مرة كل سنة، و من هنا أعاد النظر بجذرية ، إلى مستواه في الكتابة، حيث تشبع من خلال التواصل مع هؤلاء المثقفين بكل الرغبة في تطوير أسلوبه الكتابي بعيدا عن التعليم الأولي في الابتدائي و الثانوي، ليتمكن من التواصل الراقي معهم، فالعمل الفني التشكيلي في نظره، قد يعلو مستواه إلى التجريد، و هنا يصبح الفنان بحاجة إلى لغة تواصل أدبية جيدة لإيصال فنه إلى المتلقي، و استدراجه بالتدريج للانتقال به من الواقعية إلى التجريد، فيفهمه المتلقي العادي أكثر، و يراه بعين أخرى بعيدة عن الغموض.
مجال الكتابة شائك جدا على حد قول محمد بوكرش، حاليا الكتابة أصبحت استنساخا، رسائل مسروقة، و مجهودات مسلوبة، القلة الموجودون، هم في حرب مع الآخر، خاصة فيما يخص النقد، لأن الكتابة استسهلت بشكل مقرف، و تجاوز عدد الروائيين و الشعراء حدود المعقول، كما يتعرض أصحاب الأقلام الجادة و المعطاءة إلى الإهانة رغم جهودهم الجبارة لإنقاذ ما تبقى من صروح الكتابة، كما أن معظم كتاب الوقت الحالي يعتبرون النقد البناء انتقاصا لشخصهم، بدلا من أخذ الأمور بإيجابية أكثر.

عن إضافة المغرب العربي للفن :

 " أبجدية الاختزال" التي تمنح ما قل و دل،  هي أشياء جيدة مكنت أهل « المغرب العربي" القدماء، من اختراع الأرقام العربية، فحين اعتنقوا الإسلام، وجدوا بعضا من التناقض في التشخيص. مثلا سميت عندنا أماكن التعليم و التلقي منذ القدم بالزوايا، و هذا يثبت أن " الزاوية" و التي هي في الأصل مصطلح رياضي، هي نتيجة جهد بذله أصحاب المدارس و الفضاءات التي كانت من مضامينها التنوير و التعليم، الفيزياء، الفقه، الشعر.. إلخ، في حين أصبحت الزوايا اليوم أكثر صوفية، و ضعيفة التأثير و المستوى، فالرقم الذي نستعمله حاليا، و المشاع أنه الرقم العربي، كان الأحرى أن يسمى بالرقم المغاربي الغباري الإسلامي، ففي المدرسة التكعيبية و بحكم أن كبار النقاد العالميين من اليهود، كانوا  يحاولون طمس الجانب الإسلامي في الأشياء، يقال مثلا أن مصادر إلهام الفنان بيكاسو، هي الأقنعة و الأعمال الفنية الإفريقية، لكي لا يقال شمال إفريقي بالتحديد، فذلك يعني ذكر الاسلام و عبقرية المسلمين في العلوم.

عن واقع الفن و النحت في الجزائر:

اعترف الفنان محمد بوكرش بأن الفن التشكيلي عموما في الجزائر فقير جدا، و الفقر يشمل أيضا الجامعات، المؤسسات، و هذا يرجع بنا إلى المدرسة ،الثانوية، و الجامعة التي اصبحت حاليا صرحا قائما، بلا موارد بشرية ناجحة، و لا إمكانيات ترقى بها الى مصاف الجامعات الكبرى، فالجامعة في نظره هي مخبر، و الطالب الذي يدخلها، بحاجة إلى الخبرة قبل أن يوجه إلى عالم الشغل، المشكل المطروح إذن لا يتعلق بالنحت، أو الرسم فقط، بل يمتد إلى كل المجالات الأخرى، و هذا لا يطمس أبدا وجود أساتذة محترمين جدا و أكفاء، لكن ظروف عملهم تمنعهم من أن يكونوا في قمة العطاء، فاتجهوا إلى الهجرة، و من بقوا لم يعودوا قادرين على استيفاء الكم الهائل من الطلبة،  و إن أردنا إعادة الاعتبار لكل هذه الميادين، على الجهات المسؤولة إعادة النظر الجذري فيما يخص هجرة الأدمغة، باسترجاعها و إعادة الاعتبار لها.

عن قسنطينة:
سيرتا، اسم يدل على القدم في التاريخ، و في تراكم المعارف الجزائرية، و على عراقتها في تكوين الرجال، إنها مرجع طبيعي، فني، سياسي و تاريخي، و إحدى قلاع الحضارة، كبجاية و تلمسان، و اختيارها عاصمة للثقافة العربية، هو اختيار في محله، لكن تمنى محمد بوكرش نظرا لمكانة المدينة التاريخي، أن نفكر في المستقبل في شيء أكبر بكثير، كعاصمة للفنون الإسلامية، حتى لا نصنف أحدا، لأن الفن الإسلامي، يجمع ما أضافه الفنان الإسلامي التركي، الصيني، الكردي، الأوروبي، الأمازيغي و العربي غيرهم الكثيرون،  فالفن الإسلامي قام باعتناق كل هؤلاء لهذا الدين الجميل، و أضافوا أجمل ما في ثقافاتهم المختلفة إلى هذا الفن، و بالتالي تكون قسنطينة ذات وقع أكبر على العالم، فيكون الجزائري بهذا قد انتصر لنفسه و للعالم، لأنه سيكشف كل جماليات قسنطينة، و سيشكل إضافة نوعية إلى المستوى التشكيلي العالمي، إذا أخذت مستقبلا هذه الفكرة بجدية، فإن قسنطينة ستجمع كعاصمة جل الثقافات العالمية تحت شعار الإسلام..

عن مشاريعه و طموحاته:

كثير الحركة ، يقول محمد بوكرش ، في ربوع الوطن، و أحيانا خارجه، بين ملتقيات فنية عديدة، قد يتجه إلى الكتابة، و قد يرسم، أو ينحت، فهذه الأشياء في نظره هي ابنة يومها، بمجرد أن يصل إلى البلد المضيف، يتقرر برنامجه هناك، حوارات ربما، و تسجيلات، نقد لبعض الأعمال، و الكتابة عن الشخصيات التي يلتقي بها خلال هذه الفرص المتاحة ، للتعريف بها في الوطن ، و التعريف بالجزائر و ثقافتها و فنها خارجا أيضا، لم يعد يسافر للرسم فقط، بل لفرض ما في جعبته، و ليس تبنيا لما يراه هناك، فيستفيد و يفيد.
و عن رحلته إلى أذربيجان  االتي قام بها في  شهر جوان، قال الفنان أنها كانت فرصة للقاء  العديد من الفنانين العرب و الأجانب، ففي كل سنة يقام هناك ملتقى تختار فيه مجموعة معينة من الفنانين، و هو كان من بينهم لهذه السنة، واحتك هناك بتجارب غريبة لم تمر به قبلا أو يعيد اللقاء بأصدقاء قدامى.

هذا و قد أشار إلى مشاركته التي أتى لأجلها إلى جامعة قسنطينة، في كلية الفنون الجديدة هناك، حيث سيكون تكوين للطلبة ، و الأساتذة الذين سيكونون مسؤولين على الورشات و الرسائل، حضوره يعتبر إضافة جيدة لخبرته في المجال ، و الجمع بين المجالين النظري و التطبيقي، فالممارسة تتطلب فنانين متمرسين في هذا المجال، ليتمكن الأساتذة من اتقان التعامل مستقبلا مع الطلبة في الورشات.

و في كلمة أخيرة..
شكر الفنان حسن ضيافة أهل قسنطينة و خص نوافذ ثقافية بالشكر لالتفاتتها الطيبة التي تنم عن حسن متابعة للثقافة و الفن، و تمنى أن يتلقى القارئ هذا اللقاء الحميمي بكل سرور و محبة، لأنه يفرح كفنان ، لهذه اللفتات التي هي فعلا من واجبنا نحن كشباب ، لنوجه بكل حب كل  فئات المجتمع إلى التعرف مواهب البلاد العظيمة.
المصدر: نوافذ ثقافية- سلمى قويدر