حاكم الشارقة والاستقلال ونحن الجزائريين

 

عبد الرزاق بوكبة/ كاتب وإعلامي جزائري

لم يكتفِ حاكم الشّارقة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بتوضيح قصده من تصريحه في معرض لندن، بخصوص الاستقلال الجزائري، واعتذاره للجزائريين الذين قال إنه يُكنّ لهم الاحترامَ كلَّه، بل راح يُذكّر بالمحاضرة التي ألقاها عام 1986 بالجزائر العاصمة، بحضور السيد الإبراهيمي وزير الشؤون الخارجية يومها، عن الثورة الجزائرية، إشارةً منه إلى أن نظرته الحقيقية، إلى الثورة والاستقلال في الجزائر، راسخة وواضحة وقديمة، تنبع من نزعته القومية ومن حسّه التاريخي، باعتباره مؤرّخًا يملك مؤلفاتٍ في هذا الباب.

في هذه المحاضرة التي كانت على هامش زيارته إلى الجزائر، أبدى القاسمي إعجابًا وإلمامًا بالسياقات التي أثمرت الاستقلال الجزائري عن فرنسا، معتبرًا إياه آية من آيات البطولة والتضحية في القرن العشرين، وداعيًا من دواعي الفخر، ليس للجزائريين والعرب فقط، بل للأحرار في العالم أيضًا، مؤكدًا على أن الاحتلال الذي تعرّضت له الجزائر، ومن بعدها فلسطين، اختلف من حيث هدفه ووسائله عن الاحتلالات التي تعرّضت لها بقية الشعوب العربية. "وإذا كانت البلاد العربية قد شهدت احتلالًا عسكريًا أجنبيًا وقواعدَ عسكريةً ونفوذًا اقتصاديًا ونهبًا للثروات واستغلالًا للإنسان، فإن الجزائر ومن بعدها فلسطين عرفتا الاستعمار السرطاني الخبيث معرفة فعلية".

وخلص إلى أن الاستقلال الجزائري، لم يكن هبةً من شخص من الأشخاص ولا طرف من الأطرف ولا ظرف من الظروف ولا تحوّل من التحوّلات، في السياق العالمي، بل هو ثمرة للكفاح المستمر على مدار العقود التي مكثها المحتل في الأرض الجزائرية. يقول: "إن الثورة الجزائرية حققت انتصارها لا على موائد المفاوضات وإنما فى ميادين الحرب والقتال وليس خلال ساعات أو شهور وإنما بعد سنوات طويلة مريرة. إن سواعد المقاتلين هي التي فرضت الحل وليس تدخل الوسائط وتصورات العدو أو من يحالفه ويلوذ به".

من هنا، نستطيع القول إن التفاعلات التي نجمت عن تصريحات الرجل، من طرف الجزائريين على اختلاف اتجاهاتهم وجهاتهم، كشفت أمرين متناقضين، يدعو أحدهما إلى الاعتزاز، وهو أن الثورة بقيمها وإرثها تعيش محمية في كنف الشعب بالدرجة الأولى، رغم أن السلطة القائمة تستمدّ شرعيتها منها، فيما يدعو الثاني إلى الحزن وربما الخوف، وهو تغلغل ثقافة التخوين في الأوساط الشعبية والثقافية، حيث كان كل من انحاز إلى الصمت أو التوضيح أو الاعتماد الجهات الرسمية في هذه القضية في مهبّ تخوينه وتجريده من وطنيته.

ولئن كان مفهومًا/ مبرّرا أن يكون التناول الشعبي خاضعًا للغضب وعدم التحرّي، فإنه غير مفهوم أن يقع بعض المثقفين في هذا المنطق المستنقع، لأنهم أولى الناس بالرصانة والاحتكام إلى عبارات الحكمة، والبحث عن السياق الحقيقي الذي قال فيه الحاكم الإماراتي ما قال، ومطابقة قوله هذا مع فلسفته وسياسته وتاريخه، ومنها محاضرته آنفة الذكر، حتى لا نقع في التعسف في حقّ ثورتنا أوّلا، بأن نخلق لها خصوما غير خصومها الحقيقيين، وفي حق شخصية ثقافية وحضاربة باتت مصنفة ضمن وجوه التنوير العربي في العالم، في ظل هيمنة الوجوه الظلامية التي يراد أن تمثل صورتنا، خاصة بعد أن اعتذرت لنا وبينت قصدها الحقيقي من التصريح.

وحتى إن ثبت فعليا أن الرجل قال ما قال قاصدا، وهي إهانة لثورتنا وتاريخنا وشعبنا لو حدث ذلك، فإن هناك قنوات موضوعية مؤهلة للرد عليه، وليس نحن بصفتنا أفرادا، منها المؤرخون ونظراؤه من السياسيين الرسميين، باعتباره مؤرخا وسياسيا رسميا. كما أننا مطالبون، ونحن نرد، من باب التفاعل الطبيعي، لأن القضية تتعلق بشعور وطني عميق فينا، بأن نتجنب القاموس البذيء والوسخ والعنيف، لأننا بذلك نسيء إلى أنفسنا وثورتنا بالدرجة الأولى.

من هنا، فأنا سعيد بهذا الحماس الشعبي العارم، تجاه ثورة التحرير المجيدة، وحزين بسبب كونه خارج القنوات الطبيعية والمثمرة، إذ علينا أن نواجه جملة من الأسئلة المتعلقة بالتجليات الصحية لوفائنا لثورتنا بصرامة وصراحة مع نفوسنا.

لماذا لا نخوّن من تسبّب في الخرابات والفرص الضائعة وغيرها، رغم تهديدها لواقعنا ومستقبلنا، ونفعل ذلك مع كفاءة جزائرية اضطرتها الظروف أو سياقات العمل والعلم والنشر إلى أن يتعامل مع الفضاء الإماراتي، فقط لأنه لم يتفاعل بطريقة شعبوية مع تصريح حاكم الشارقة؟ كفّوا عن نبرة التخوين، فأنا متأكد من ألا جزائري يبقى في دولة الإمارات أو يذهب إليها، لو فهم أن القصد هو فعلا إهانة الشهداء والأحياء، فالوطنية بخير، لكن الوطن مهدد على أكثر من صعيد، فمتى ننتبه إلى هذه الحقيقة؟