حول الرواية الشبابية على أيامنا

بقلم: فيصل الأحمر

على عكس كثير ممن وقفوا موقفا انتقاديا من انتشار الرواية في الأعوام الخمسة الأخيرة، ومن هلم العدد الكبير للكتب المدعية انتسابها الى فن الرواية، كان موقفي ثابتا على الترحاب باتساع دائرة السرد. فالظاهرة صحية جدا، وتجرؤ الجزائري الشاب على السرد يندرج ضمن تطور ما في الذهنية الجزائرية التي طال المد عليها وهي تتصرف كأنها محرومة مما يسميه إدورد سعيد ب"الحق في السرد". كثرة الروايات المنشورة معناه ظهور جيل جديد من الكتاب يؤمن بضرورة خلق عوالم تخييلية تقولهم، جيل يتواصل مع قرائه عبر نافذة الخيال ؛ نافذة القول الذي هو حكاية تتقلب وتخلق معناها الفكري على هامش لذتين: التخييل والحكي؛ أي إعمال الذهن وإسماع الغير صوتنا.

لقد طال الأمد علينا ونحن نتحمل عبء نمط من السرد "الاستعماري" الذي يجعل تركة المستعمر متواصلة عبر اللاشعور. أورد هذه الملاحظات متأملا ظاهرة روائية غريبة انتشرت فيما سبق بشكل مثير للجدل دون أن يقف لديها المعلقون والكتاب وآل بيت النقد عندنا في الجزائر؛ ظاهرة امتلاء الفضاء الروائي الجزائري بصور الأجانب لا كمكونات بانية للجدارية التخييلية التي لا يملك أحد أن يصادر عليها، بل كمكون لا واع يصدر عما يشبه أن يكون مغارة ميتافيزيقية يختفي فيها سر أسرار التخييل الجزائري. ولكنه وضع يبدو أنه بصدد التغير لفائدة كتابة في مصالحة مع الذات والتاريخ، متخلصة من العقد الغائرة في الماضي السردي وفي الماضي الصامت أيضا .

حينما نتحدث عن الصمت تقفز الينا المعنية ببرووكولات الصمت أكثر من غيرها: المرأة؛ وهي صفقتنا الرابحة الأكبر  أثناء الحديث عن الرواية الجديدة في الجزائر: النساء الكاتبات اللواتي يصدرن كتابهن الأول او الثاني تعاظم عددهن، مشكلات ظاهرة لا تخطئها العين، متديات عقبات كبيرة جدا في أغلب الأحيان؛ عقبات تطال حتى الاسم الذي عليه ألا يظهر. لتصبح الرواية النسوية عندنا ظاهرة منتشرة لدى كتبات قد لا يتجاوز عمرهن في بعض الأحيان العشرين سنة.

من المثير للانتباه أيضا في أمر هذه الرواية الشبابية التي نهلل لها في هذا السياق أن مواضيعها مرتبطة عضويا وإيجابيا بالمكون المحلي عندنا؛ بصور الحياة، بمخزون الذاكرة، فهي رواية تدون الحياة والذاكرة بسلاسة ودون حاجة الى تصفية حسابات كما كانت الحال عليه من قبل ودون الحاجة غلى مرآة أجنبية لتوضيح الصورة –كما أسلفنا- . هي نصوص روائية تتكئ على الذات ولا تتهيب منها؛ إنها تنظر إلى المكون المحلي بعين محلية هدفها وضع اليد والحرف والمعنى على حياتنا وعلى الناس عندنا حتى وإن كانوا لا يسافرون كثيرا، ولا يدخنون سجائر فاخرة، وليسوا من رواد الموضة. بل أناس بسطاء نعرفهم ونحبهم ونقرأ عنهم فنسترجعهم، ونقرأ حكايا حبهم وكرههم وحزنهم وأحلامهم وخيباتهم وما يقولونه وما يخفونه فنتعرف على ذاتنا ولا يضيرنا في شيء أنهم كانوا –وربما لا زالوا -  يسكنون "دوارا" أو "دشرة" ويلبسون"قندورة" أو "شاشية" أو ينتعلون "گاعة" أو "قبقاب" أو "شلاكة" ويحملون الماء على ظهر الحمار كما يفعل/يسكن/يلبس/ينتعل أبطال الطاهر جاووت ومولود فرعون والطاهر وطار  وبن هدوقة ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني وإميل حبيبي...

لقد اسلفت القول في غير هذا المكان حول كون السرد طريقة في التفكير... فنحن نفكر مثلما وبقدرما وبحجمما نكتب روايات... نشبه مروياتنا واقاصيصنا ونتحرك في إطار رؤية الى العالم تفضحها حكاياتنا وسرودنا – شعبية ورسمية، طويلة ومختصرة، مكتوبة وشفاهية-...وإذا شئت الاختصار فإنه يجوز لنا أن نقول: اِروِ لي حكاية أقلْ لك من تكون. ولهذا فالرواية الشبابية اليوم تعكس صورتنا الحالية: التكاثر، الانتظار، العقل، الثقة، الحلم بالأفضل، تجنب عقدة الخارج والآخر والخوف من العدوان الخارجي، التعايش مع الخطأ في انتظار الأفضل...الخ